رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ١٧٧ - الفرنسيون في مصر و فلسطين
«قنصل الجمهورية الفرنسية الأوّل» و تسلّم بعد ذلك عاجلا قيادة الجيش و زحف نحو المتحالفين، و بظفر ذي بال ظفره سوّغ لفرنسا التحكم و الاختيار، و إذ كان أعداؤه يتضرعون في طلب السلم دخل هنا القائد الظافر في العاصمة و كان في انتظاره مجد استقبال الغازي و الاحتفال به.
و بعد أشهر من منحه السلم للروس و الألمان تلقب بلقب «رئيس جمهورية إيطاليا» و جعل تسميته بالقنصل الأوّل دائمة مدى الحياة، و تعالت سلطته على هذا النحو يوما بعد يوم، و بالتدرج استلب كل سلطة الحكومة.
و في أثناء إقامتي في مرسيليا ضرب نقدا بصورته، مع أنّه لم يكن يومئذ متقلدا رتبة «الرئيس الأعظم».
و بعد مغادرة بونابارت لمصر أرسل السيّد الأعظم [١] جيشا عرمرما تحت قيادة الوزير الأعظم يوسف باشا لطرد الفرنسيين من مصر، و لكن الأتراك على كثرة جنودهم هزمهم الفرنسيون هزيمة منكرة، و قدّموا للعالمين برهانا جديدا على عدم تجاربهم و على شجاعة الفرنسيين، و إنّ هذا الحادث قد كان كشف الغطاء الّذي كان مرسلا سنين طويلة على القوّة التركية الخيالية للأتراك [٢]، فقد فتحوا قديما فتوحا واسعة في أوروبا، و نتائج حربهم الأخيرة للقوى النصرانية الّتي تجاورهم، ظهرت بأتم الظهور فتأهب الألمان و الروس للاستفادة من أقل النكبات الّتي تصيب الأتراك في منازعتهم للفرنسيين [٣].
[١] هذا لقب السلطان العثماني عند الأوروبيين أيّامئذ و قد تقدّم أنّ السلطان أيّامئذ هو سليم الثالث. (المترجم).
[٢] كان أبو طالب يعلم أنّ الحروب تطورت بآلاتها و تعبثتها و وسائلها كسائر شؤون الدّنيا، و لم يبلغ الأتراك في التطور أو التطوير ما بلغه الفرنسيون أيّامئذ، فهذا سبب الهزيمة لا ما ذكره أبو طالب من الغطاء و غيره من كلام التشفي. (المترجم).
[٣] قال الشيخ ياسين العمري في حوادث سنة ١٢١٦ ه و هو من كتاب الدر المكنون: «و فيها نزل على مصر الوزير الأعظم يوسف باشا. فحاصرها يومان (كذا) و في الثالث أرسلت الفرنسية يطلبون الأمان فأمنهم و خرجوا من مصر و قد بقي منهم ستة آلاف علج و قيل عشرة آلاف و نزلوا بالمراكب و كان قد هرب قبلهم مقدمهم برنه بول (بونابارت) في مركب خفيف و فيه أموال المسلمين و الانكروس (الإنكليز) و نجا منهم ...». (المترجم).