رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ١١٨ - إضاءة الأفراح و عيد السلام
كانوا أمهر باستعمال السيف منهم باستعمال القلم اعتقدوا أنّهم يجدون في هذه الجملة رمزا إلى الطعن على الإنكليز لأنّ معناه أنّهم لم يرتضوا السلم إلّا لأنّهم كانوا مغلوبين، و بسبب ذلك ابتدؤوا بتحطيم المصابيح، و فوجئ المسيو أوتو بهذه السيرة النكيرة من الإنكليز فخرج إليهم و اجتهد في أن أسمعهم قوله: إنّ كلمة «الاتفاق» لا ترمز أبدا إلى أحداث الحرب، و إنّما هي مرادفة حق الرادف «الاتحاد و الصداقة» فلم يقنعهم هذا الإيضاح و لم يهدأوا إلّا بوعده إيّاهم أن يستبدل بعبارته المقدم ذكرها هذه العبارة «السلم و الصداقة».
و إذ كنت مخفقا في هذه الجولة الصباحيّة عزمت على اقتحام الحظر و الذهاب ليلا إلى الميدان لأرى تلك الإضاءة المزمعة، و بين الساعة الحادية عشرة و منتصف اللّيل خرجت من مثواي و حاولت سلوك طريق أوكسفورد ثانية، و لكن محاولتي كانت من غير جدوى لكثرة ازدحام العربات و المشاة فيه، فرجعت أدراجي ثمّ مرقت من درب عرضاني أفضى بي إلى طريق يؤدّي إلى الميدان المذكور آنفا، و هناك اضطررت أن أتمسّك بسياج من القضبان الحديد، فكنت من هناك أخطو خطوة أو خطوتين، على حسب سنوح الفرصة، حتّى وصلت إلى الموضع المراد و لكن الزحام كان جدّ عظيم بحيث مزقت ملابسي و فقدت عصاي. و كانت النّساء يصرخن صراخا مؤلما، خوفا من الاختناق، و لم يشفق عليهن أحد و أكثرهنّ فقدن قبعاتهنّ و أقراطهنّ و قلائدهنّ. و في ملتقى الحوادث هذا رأيت من الصواب العود إلى مثواي و لكن يا للأسف فقد كان العود أعسر و أشق من التقدّم، على أنّي بعد بذلي صادق مجهودي استطعت أن أنفذ إلى زاوية من الميدان، في حيث أكون أضمن للراحة فصمّمت على الانتظار لأنسلّ حتّى يقلّ عدد المتفرجين، ثمّ رجعت أخيرا بعد أن أعطيت نفسي سؤلها من رؤية إضاءة المسيو أوتو، تلك الإضاءة الّتي ظهر لي بعد كل هذا أقل تألقا و إشعاعا من إضاءة المستر هوب في ميدان كافنديش.
إنّ أصحاب دكاكين لندن و تجارها، في الأعم الأغلب، مؤدبون مهذبون، آدابهم جدّ سامية، بحيث لا يتفق لهم أن يجيبوا المبتاعين بخشونة، و إن كانوا عسرين و مزعجين و قد حكي لي أنّ رجلا ظريفا دخل