رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ١٠٤ - وصف إنكلترا و ما فيها و لندن خاصة
الّتي في دبلن لم أصرف القلم إلى وصفها، ففي البلاد مائة موضع أخرى يستطيع الأجنبي أن يقضي وقته باستلطاف فيها. إنّ رجلا اسمه «المستر و الكر» استأجر في الأيّام الأخيرة بهوا للتفرج عرض فيه طوال الصيف كله مكينة فلكية تبين الصورة الصحيحة لجميع حركات الأجرام الفلكية، و قد علّق في وسط البهو، لتمثيل الشّمس كرة من الزجاج فيها مصباح، و تدور هذه الكرة على قطبها باستمرار، و حول الشّمس عدّة كرات أخرى أقل حجما تمثل الزّهرة «فينوس» و الأرض و القمر و المريخ و المشتري و زحل و كوكب «هرشل» المكتشف حديثا، و يحرك جميع هذه الكرات دولاب، و هو يمثل فكرة محققة للمذهب الباهر في نظام الفلك، الّذي ذهب إليه العالم «كوبرنيك».
و للإنكليز تلّة خاص يسمونه «المسخرة [١]» و هو أنّ عدّة مئات من الأشخاص يبرقعون وجوههم ببراقع أو وجوه صناعية من المقوى و يتنكرون كل على هواه فمنهم من يتزيّا بزي الأتراك و منهم بزي الفرس و منهم بزي الهنود و هلمّ جرّا، و لكن أكثرهم يتنكرون بزي الفعلة و الصّناع و يقلّدون باتقان حركاتهم و لغتهم، و هذا التنكر يشجعهم على الكلام بجراءة و إظهار جميع ما لهم من الألمعية و الذكاء و الفطنة، في الغالب. و قد حضرت ذات يوم أحد هذه التلهيّات فدخل البهو رجل في ملبس البيت و على رأسه قلنسوة اللّيل و في رجليه خفان فقال للجماعة: «أنا أدفع خمسة كنيهات في الأسبوع أجرة لمثواي في أعلى البناية و أنتم تحدثون هذه الجلية الّتي تمنعني من إغماض عيني. و سينبلج الصبح و أنتم لا تنصرفون؟ أنتم قرويون جفاة، و أرى من الواجب عليّ أن أستعدي عليكم الشرطة لتعتقلكم». فحسبت أنّه كان يتكلّم جادا، و لكن الجماعة أخذوا يضحكون و استحسنوا هذه الدعابة.
و في لندن عدّة مراقص، و لكن النّاس قلما يختلفون إليها.
وصلت إليّ، ذات يوم، بطاقة لم يكتب عليها إلّا هذه الكلمات الآتية «السيّدة ستكون في دارها في ...»، فظننت أوّلا أنّ هذا موعد التقاء
[١] سمي في أيّام العباسيين «بالسماجة» و ورد ذكر السماجة في كتب التاريخ و الأدب و لا سيّما كتاب الديارات للشابشتي «ص ٣٩». (المترجم).