الاجتهاد و التقليد و سلطات الفقيه و صلاحياته - الشيخ محمد مهدي الآصفي - الصفحة ٤١ - مشروع الاستعمار الجديد
إنّ حكّام العالم الثالث [١] يؤدّون هذه الخدمة الكبيرة إلى الدول الكبرى بكل رضى في مقابل بقائهم في الحكم. فإذا استنفذت الدول الكبرى أغراضها من هذه الأنظمة و استنفذت كل إمكاناتها و احترقت أوراق هذه الأنظمة بشكل كامل، استبدلتها بغيرها من خلال مؤامرة عسكرية يخطّط لها الغرب، و ينفذها قادة عسكريون ابتغاء الوصول إلى المال و السلطان و النفوذ.
و قد واجه علماؤنا هذه المؤامرة الأخيرة، و دخلوا معها في صراع رهيب، و طالت محنتهم و عذابهم بها، و طارد الحكّام علماء الإسلام المناهضين لهم في كل رقعة، في ايران و العراق و مصر و الجزائر و تركيا و سوريا و لبنان و أفغانستان و الهند و السودان، و أذاقوهم ألوان العذاب، و قتلوا منهم الآلاف و عذّبوا و سجنوا أضعاف ذلك. و استخدموا كل إمكاناتهم في استئصالهم و عزلهم عن ساحة الحياة.
و لكن هذه المحنة لم تتمكّن من إخماد صرخة علماء المسلمين في مواجهة الحكّام الظالمين و أجهزتهم القمعية الرهيبة. و على عكس ما كان يريده هؤلاء الحكام من عزل العلماء عن الجمهور. كانت هذه الأعمال التعسفية و القمعية تزيد من تعلّق الجمهور بالعلماء، بل إنّ قيمة العالم و مكانته الاجتماعية كانت ترتبط و تتناسب عند الناس بمقدار جهاده للحكام الظالمين، و بالعكس، تهبط على قدر ارتباطهم و اتصالهم بهم.
و لو أردنا أن نستعرض شرحا بأسماء و جهاد علماء الإسلام في تاريخنا السياسي المعاصر لطال الحديث و تطلّب الأمر مجلّدات من البحث في هذا التاريخ.
[١] مصطلح العالم الثالث يصحّ سياسيا قبل سقوط الاتّحاد السوفيتي.