الاجتهاد و التقليد و سلطات الفقيه و صلاحياته - الشيخ محمد مهدي الآصفي - الصفحة ١٤١ - ٢- من الناحية التشريعية
الحاكم، فكانت الآية الكريمة تتجسّد في المجتمع ضمن أجهزة و تركيب اجتماعي يخصّ هذه الغاية.
و نحن اليوم أيضا نفهم هذا التوجيه و ننفّذه، و لكن في نطاق فردي، و على شكل مبرّات و صدقات فردية، يدفعها الفرد منّا، عند ما يواجه حالة فقر أو عجز.
و من الطبيعي جدّا أن لا يكون لتنفيذ هذا الحكم في حياتنا، ذلك العطاء الذي كان له في عصر التشريع. و السبب كل السبب في هذا و في غيره، أنّ هذا التشريع بشكل عام قد وضع ضمن هذا الإطار الاجتماعي الحاكم، فإذا انتزع من إطاره الطبيعي الذي وضعه اللّه فيه، أدّى ذلك إلى نتيجتين اثنتين، غريبتين عن طبيعة هذا الفقه، اولاهما: صعوبة تنفيذ بعض أحكام هذا الفقه، و ثانيتهما: ضعف العطاء الذي تجنيه الامّة من تنفيذ أحكام هذا الدين.
و مهما يكن من أمر، فإنّ هذه الطبيعة الاجتماعية، و القيادية في تركيب التشريع الإسلامي ذات دلالة كافية لتوضيح طبيعة هذه الرسالة بشكل عام، و علاقتها بالمجتمع و موقفها من مسألة الحاكمية و الحكم.
فالنظام المالي مثلا في التشريع الإسلامي، بعرضه العريض و بما خطّط فيه الإسلام من موارد مالية ضخمة، تكفي لسدّ حاجات دولة، لم يكن الغرض منه بالتأكيد، سدّ العوز و الحاجة الفرديّة، و إعانة بعض الفقراء و العوائل المحتاجة فقط. فقد وضع الإسلام في هذا المخطّط المالي الكبير نظاما واسعا للجباية، و تشريعا للضرائب الثابتة، و أعطى للحاكم الإسلامي صلاحيات واسعة في فرض ما تقتضيه الضّرورة و المصلحة من الضرائب المالية.