الاجتهاد و التقليد و سلطات الفقيه و صلاحياته - الشيخ محمد مهدي الآصفي - الصفحة ١٤٧ - إعلان الدعوة
مكّة، بدأ النبي ٦ بإعداد الطلائع المؤمنة لتحمّل هذه المسئولية و القيام بها، في سرّية و خفاء، فلم يعلن النبي الرسالة إعلانا، و إنّما كان يتكتّم بها، و لم يمارس عمله، إلّا في كتمان و حذر شديدين، حرصا على الرسالة التي لم تترسّخ بعد في المجتمع الجاهلي، و لم تقطع بعد شوطا من الطريق الطويل، أن تتعرّض لأذى المشركين و معارضتهم، التي كان يقدّر صاحب الرسالة أن تكون قويّة و شديدة، و تحمل كل أحقاد الجاهلية و أضغانها.
فلم تكن الدعوة في هذه المرحلة من وجودها، تتحمّل معارضة قويّة، كتلك المعارضة التي أعلنتها قريش في وجه الرسالة الجديدة بعد إعلانها، و كان من الحكمة أن يتحفّظ النبي ٦ ما أمكنه التحفّظ، من أن يعرّض هذا الدين لضغط من جانب قريش، أو حرب من جانب اليهود.
و توافر لهذا الدين- خلال فترة سريّة العمل- العدد الكافي من الطلائع التي تحمل مسئولية هذه الرسالة بجدارة و قوّة، و في إيمان و إخلاص كبيرين. و كان محل اجتماع هذه الطليعة بقائدها خلال هذه الفترة في الغالب، دار أرقم بن أبي الأرقم، الذي جعل من بيته مهدا لالتقاء النبي القائد ٦ بطلائعه المؤمنين به، و في هذه الدار كان النبي ٦ يوجّه أصحابه، و يوزّع عليهم المسئوليات في حدود ما تقتضيه المرحلة من عمل، ثمّ ينتشرون في مكّة قاعدة الدعوة الاولى، ليمارسوا مهامهم و مسئولياتهم.
إعلان الدعوة:
و إذ وجد النبي ٦ العدد الكافي الذي يضطلع بهذه المهمّة، و يحمي الرسالة، و يدافع عنها، بدأ بإعلان الدعوة في مكّة بالتدريج، و بدأ بتسفيه قريش فيما يعملون من عبادة الأصنام و في أعرافهم و تقاليدهم.