الاجتهاد و التقليد و سلطات الفقيه و صلاحياته - الشيخ محمد مهدي الآصفي - الصفحة ٨٦ - حركة الاجتهاد بين الانفتاح و التعطيل
و يمنع من تقليد غيرهم من أئمة المسلمين، كما ليس هناك أيّ ميزة لهؤلاء الأربعة من بين فقهاء المسلمين و أئمتهم دون غيرهم توجب حصر الاجتهاد فيهم و المنع من تقليد غيرهم.
و ليس من شك أنّ حركة الاجتهاد حينما تستمر و تتداولها الأفكار و العقول على مرّ العصور تكتسب نضجا و قوّة أكثر من ذي قبل، شأنها في ذلك شأن أيّ علم و أيّ فنّ من الفنون، و ليس الاجتهاد بدعا من علوم الإنسان و ثقافاته. فما ظنّك لو كانت الرياضيات تتوقف عند عهد فيثاغورس، و الطبّ يتوقف عند ابن سينا، و الكيمياء و الفيزياء يتوقفان عند الرواد الأوائل لهذه العلوم؟
هل كان يتاح لهذه العلوم، أن تتقدّم كل هذا التقدّم الهائل الذي أحرزته نتيجة للتفكير و العمل المستمر الذي قام به علماء متخصّصون على امتداد العصور؟ و شأن الاجتهاد شأن غيره من هذه العلوم.
و الذي يراجع تاريخ الاجتهاد عند فقهاء مدرسة أهل البيت : يلمس بوضوح التطوّر و الفوارق الكبيرة التي تميّز مراحل مختلفة من تاريخ هذا الفقه.
فإنّ النضج و القوّة التي اكتسبها الفقه في عصر مؤلّف الجواهر و الفرائد الشيخ محمد حسن و الشيخ الأنصاري، كان خطوة جبّارة في عالم الفقه و الأصول، و لم تقف حركة الاجتهاد بعد ذلك على هذا المستوى الذي خلّفه الشيخان النجفي و الأنصاري، و إنّما اكتسب نضجا و قوّة أكثر.
و الذي يلحظ النتاج الفقهي و الأصولي المعاصر، و يقرنه إلى ما صدر قبل ذلك من نتاج يستطيع أن يلمس هذا الاختلاف بوضوح.