الاجتهاد و التقليد و سلطات الفقيه و صلاحياته - الشيخ محمد مهدي الآصفي - الصفحة ٩٢ - ٢ التقليد
مريض قبل أن يستشير عددا من ذوي الاختصاصات الأخرى في الطب .. و في صناعة مادّة كيمياوية، أو صنع النسيج، أو تصفية النفط قد يسهم العشرات من ذوي الخبرة و الاختصاصات المختلفة حتى يتمّ العمل.
و لا يملك الإنسان في مسائل الحياة المتشعّبة و الكثيرة و حاجاته الآخذة في الاتّساع، إلّا أن يرجع إلى عدد كبير من ذوي الاختصاص و الخبرة .. و تتوزّع الاختصاصات في المجتمع بصورة طبيعية، و يتمّ التقليد و الرجوع إلى ذوي الاختصاص في المسائل المختلفة كذلك بصورة طبيعية، دون أن يفكّر أحد من الناس أن يقوم وحده بعبء كلّ حياته، و أن يتخصّص في جميع المسائل التي تعنيه من أمر حياته.
و التقليد بهذا المعنى قانون أصيل من قوانين الفطرة، و هو يختلف تماما عن التقليد المذموم الذي يفهمه الناس من كلمة التقليد، و ليس بمعنى التبعية غير الواعية و غير الراشدة، فإنّ هذا النوع من التقليد في واقعه، رجوع الجاهل إلى الجاهل، و ليس رجوعا للجاهل إلى العالم، بعد تقييم و تقدير و حساب.
و الذي نعنيه من التقليد هنا، هو رجوع الجاهل إلى العالم بعد تقييم و تقدير و حساب، و هو تقليد واع يتمّ عن تقييم و بصيرة لا بدّ منه، ليتيح للإنسان الانتفاع بخبرات الآخرين و تجاربهم و اختصاصاتهم، و كلّما تتعقّد مسائل الحياة و تتشعّب، تزداد حاجة الإنسان و إقباله إليه أكثر من ذي قبل.
و التقليد بهذا المعنى، هو نفس المعنى الذي يقصد من كلمة التقليد التي تأتي في قبال كلمة الاجتهاد، فإنّ الشريعة الإسلامية تتضمّن سلسلة من التعليمات و التشريعات التي تتعلّق بسلوك الإنسان المسلم و علاقاته و أعماله.