الاجتهاد و التقليد و سلطات الفقيه و صلاحياته - الشيخ محمد مهدي الآصفي - الصفحة ٢٠٢ - كلمات الفقهاء في الامور الحسبية
و إذا شئنا أن نفرّق بين شطري ولاية الفقيه، الشطر المتفق عليه بين الفقهاء و الذي أسميناه ب (الامور الحسبية)، و الشطر المختلف فيه. فإنّ بإمكاننا أن نقول: كلّ ما كان وجوبه و مشروعيته مطلقة، و علمنا أنّ الإسلام يريده و يطلبه، و لا يعلّق طلبه و إيجابه على شيء، و لكن وجوده في الخارج يتوقّف عادة على الدولة الإسلامية و ولي الأمر، فهو من الامور الحسبية التي يتفق جميع الفقهاء على ولاية الفقيه فيها.
و أمّا ما كان يحتمل أن يكون وجوبه و مشروعيته موقوفا على حضور الإمام، فهو من الشطر الثاني الذي يختلف فيه الفقهاء، على رأيين: سلبي و إيجابي.
مثلا لا يشترط في وجوب المحافظة على الأمن و الاستقرار في المجتمع، و في إقامة المشاريع و المؤسسات الاجتماعية و الثقافية و الصحية و الاقتصادية، و في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ... وجود الإمام و حضوره، فهي واجبة على كل حال، و وجوبها مطلق و غير مقيّد بحضور الإمام. و إن كان وجود هذه الامور في القطّاع العام يتوقّف عادة على وجود حكومة إسلامية، و لا يمكن تحقيقها في الغالب من دون وجود جهاز للحكم و نظام حاكم في المجتمع بصورة كاملة و وافية، لأنّ طبيعة هذه الأعمال طبيعة اجتماعية و ليست طبيعتها طبيعة فرديّة.
و لمّا كانت هذه الامور ضرورية في حياة المجتمع، و كانت الحياة الاجتماعية تختل من دونها، و لمّا كانت طبيعة هذه الامور طبيعة اجتماعية، تتوقّف على وجود نظام حاكم و حكومة إسلامية ... فإنّ النتيجة المنطقية لهذه المقدّمات، هي وجوب إقامة دولة إسلامية، مقدّمة لتنفيذ هذه الامور