الاجتهاد و التقليد و سلطات الفقيه و صلاحياته - الشيخ محمد مهدي الآصفي - الصفحة ١٣٨ - ١- من الناحية الاعتقادية
دعوته في إيجاز و جرأة و إصرار.
و إذا كانت قريش بحسّها السياسي المرهف قد أدركت الخطر منذ اليوم الأوّل الذي ظهر فيه هذا الدين في الجزيرة نتيجة لاحتكاكها المباشر بهذه الدعوة، فإنّ اليهودية و الصليبية العالمية لم تفتها هذه الحقيقة أيضا، و لكن بعد ما انتقلت الرسالة إلى قاعدتها الأولى في المدينة المنوّرة، و أقام النبي ٦ في المدينة نواة أوّل دولة إسلامية، يحكمها الإسلام و ينظّم شئونها و علاقاتها، و يخطّط لكل ما يتّصل بحياتها. و يومذاك انتبهت اليهودية و الصليبية لخطر هذا الكيان الجديد، الذي جاء ليغيّر معالم الحياة كلّها، و يتسلّم الحكم على وجه الأرض كلّها، و ليحقق حكم اللّه على أوسع بقعة من الأرض.
و لئن كانت هذه الدعوة تتّصل بأوثق الروابط برسالة موسى و عيسى ٨، فلا تتصل باليهودية و المسيحية التي عاصرت ظهور هذه الرسالة في شيء.
و قد تأكدت اليهودية و الصليبية من هذه الحقيقة في الدين الجديد، فأعلنت الحرب في وجهه بكل قوة، و بكل وسيلة، و بدأتها اليهودية في المدينة، و حينما فشلت في كل مؤامراتها و مكرها و خبثها، تناست خلافاتها مع قريش، و التحمت معها في حرب ضدّ المسلمين في واقعة الأحزاب، و إذ ردّ اللّه مكرهم إلى صدورهم، جدّدت المحاولة لتلتحم هذه المرّة مع الصليبية العالمية في الشام، التي كانت قد شعرت بواقع هذه الدعوة في وقت متأخّر، و قد تناست اليهودية هذه المرّة أيضا كل أحقادها التاريخية مع الصليبية للقضاء على العدو المشترك، و اشتبكتا مع المسلمين في حرب تبوك، و قد