الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - سليمان الدخيل - الصفحة ٩٧ - (ج) الموسيقى والغناء والمجالس الاجتماعية
الخليفة مجلسه فى صدر الإيوان فى القصر وبين يديه الحرس فى أثواب زاهية ، ويقف حوله عن يمين ويسار كبار رجال الدولة وكثيرا ما كانت الأميرات وسيدات الطبقة الراقية فى بغداد يشتركن فى حفلات موسيقية خاصة ، وأحيانا يحضر نساء قصر الخلافة مجلس غناء الخليفة. وفى هذه الحالة يجلسن خلف الستارة [١] وكان مجلس الرشيد فى بعض الأحيان يضم ألف جارية فى أحسن زى من كل نوع من أنواع الثياب ، يتخذن الحلى والجواهر [٢].
كذلك عنى كبار رجال الدولة وسائر أفراد الشعب بعقد مجالس للطرب والغناء ، وبعض هذه المجالس
يعقد فى الحدائق والبساتين يجتمع فيها أهل الطرب ، ويقضى الناس وقتا ممتعا : بل كان الملاحون يغنون فى الزلالات ، وأعجب الرشيد بغنائهم ، وأمر الشعراء بآن يقولوا شعرا يغنيه هؤلاء الملاحون [٣] وبالجملة كانت أيام الرشيد من حسنها كأنها أعراس. وكان الأمين يعقد مجالس غنائه فى قبة اتخذ لها فراشا مبطنا بأبدع الحرير والديباج المنسوج بالذهب [٤].
قلنا إن حياة الناس فى بغداد فى الفتنة التى حدثت بين الأمين والمأمون قد عمها البؤس والشقاء حتى خربت الديار ، وعفت الآثار ، وارتفعت الأسعار ، وقاتل الأخ أخاه والإبن أباه وهدمت المنازل ، وأحرقت الديار وانتهبت الأموال ، فلما عادت السكينة ، وعم الأمن والسلام ربوع بغداد ، شعر الناس أنهم فى حاجة أن يعوضوا ما فقدوا ، فلهوا ، وأفرطوا فى اللهو والطرب [٥].
وقد لعب المال دورا كبيرا فى ازدهار الفنون فى بغداد ، فتنوعت مصادر الثروة ، والمال خير وسيلة لازدهار اللهو ويسير جنبا إلى جنب مع الترف ، فيكون
[١] الأصفهانى : الأغانى ج ٦ ص ٣١٠.
[٢] المصدر السابق ج ١٠ ص ١٦٢.
[٣] المصدر السابق ج ٤ ص ١٠٢.
[٤] المسعودى : مروج الذهب ج ٢ ص ٣٠٩.
[٥] الطبرى : تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة ١٩٨ ه.