الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - سليمان الدخيل - الصفحة ٥٩ - ١ ـ العرب
هذا الرجل نفوذه فى الرفع من شأن العرب وإبعاد الضرو الأذى عنهم فالأفشين ـ قائد جيش المعتصم ـ كان يكره العرب ويقول : إذا ظفرت بالعرب شدقت رءوس عظمائهم بالدبوس وظهرت نواياه الانتقامية ضد أبى دلف ـ أحد القواد العرب سيد قومه كريما شجاعا شاعرا [١] وهم الأفشين بقتله. فأسرع ابن أبى دؤاد إلى الأفشين ، وأنقذ الزعيم العربى [٢] وشجع هذا أهل العلم والأدب فالتفوا حوله وأغدق عليهم ، ووقف ببابه الشعراء مثل أبى تمام ، وقرب إليه الجاحظ.
ولم يستسلم العرب لميل العتصم إلى الترك فنسمع عن كثير من البارزين منهم يطلبون من المعتصم رعاية أصحاب الحاجات من العرب الهاشميين والأنصار [٣].
ومهما يكن من أمر فقد كانت الحياة الأجتماعية فى بغداد عربية فى روحها وساهم العرب بدور رئيسى فى توجيهها ، فسادت تقاليد العرب وعاداتهم وأساليب حياتهم على نمط المعيشة في بغداد ، فالدين الإسلامى الذى حمل لواءه العرب.
وبشروا به فى العراق ، كما بشروا به فى غير العراق ، كان من الطبيعى أن يحدد الأسس الأجتماعية لحياة الناس ، كما هو الحال فى المعاملات الشخصية والقضاء واتخاذ الجوارى والغلمان وبناء المساجد ، وغير ذلك من الحدود التى رسمها الشرع ، وظهر أثر الدين فى تعدد المذاهب الفقهية ، فقد شهدت بغداد أئمة المذاهب الرئيسية ، كما أن اللغة العربية ـ لغة القرآن ـ واللغة الرسمية للدولة ـ لها أثرها فى تأكيد مركز العرب ، ونبغ من العرب فى بغداد فى العصر العباسى الأول كثيرون فى علوم الدين واللغة. على كل حال ظل مركز العرب مرموقا فى بغداد بصفة عامة فى العصر العباسى الأول ، فمنهم الخليفة وأمراء البيت الحاكم وسائر بنى هاشم ، والعرب لهم مركزهم أمام العناصر الأخرى فهم الذين مصروا الأمصار ، ويذلوا أموالهم ودماءهم فى سبيل رفع رأية الإسلام.
[١] المسعودى : مروج الذهب ج ٢ ص ٣٧٢.
[٢] التنوخى : الفرج بعد الشدة ج ٢ ص ٦٨.
[٣] المسعودى : مروج الذهب ج ٢ ص ٣٧٠.