الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - سليمان الدخيل - الصفحة ١١١ - الأخلاق والعادت
عليها ، وقوم لجأوا إلى الزهد بعد أن فشلوا فى الحصول على المال والحياة وكثيرا زهدوا تقربا إلى الله لأن الزهد يعصمهم من الوقوع فى المعاصى حتى قال محمد بن واسع : يعجبنى أن يصبح الرجل ، وليس له عشاء وهو مع ذلك راض عن الله ، صرفوا نفوسهم عن الشهوات وأكثروا من ذكر الموت والحياة الأخرة.
وتعففوا عن محاولة طلب من ذويه ، وقنعوا بالقليل [١] ، وكان الشاعر أبو العتاهية يمثل طلب المال الزهد فى بغداد ، وظهر ذلك جليا فى أشعاره ، كقوله :
| لا تأمن الموت فى طرف ولا نفس | إذا تسترت بالأبواب والحرس | |
| وعم بأن سهام الموت قاصدة | لكل مدرع منا ومترس [٢] | |
| نرجو النجاة ولم تسلك طريقتها | إن السفينة لا تجرى على اليبس |
ودخل بعض الزهاد على المنصور فقال : إن الله أعطاك الدنيا بأسرها «فاشتر نفسك ببعضها ، وأذكر ليلة تبيت فى القبر لم تبت قبلها ليلة. فأفحم المنصور قوله وأمر له بمال ، فرفض الزاهد صلة الخليفة ، وقال زاهد آخر للمنصور : إن هذا الأمر كان لمن قبلك ثم صار إليك ثم هو صائر لمن بعدك ، واذكر ليلة تسفر عن يوم القيامة.
وكان صالح بن بشير المرى أحد العباد الزهاد جلس إلى المهدى فوعظه حتى أبكاه ، ثم قال له : إعلم أن رسول الله خصم من خالفه فى أمته ومن كان محمد خصمه فالله خصمه ، فأعد لمخاصمة الله ومخاصمة رسول حججا تضمن لك النجاة ، وإلا فاستسلم للمهلكة ، وأعلم أن الله قاهر فوق عباده ، وأن أثبت الناس قدما ، آخذهم بكتاب الله وسنة رسوله [٣].
والإمام أحمد بن حنبل خير من مثل نزعة الزهد فى بغداد فكانت غلته من ملك له فى كل شهر سبعة عشر درهما ينفقها على عياله ، ويقنع بذلك صابرا
[١] الأصفهانى : كتاب الأغانى ج ٤ ص ١٠٦.
[٢] ابن كثير ـ البداية والنهاية ج ١٠ ص ١٢٤.
[٣] المصدر السابق ج ١٠ ص ١٧١.