الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - سليمان الدخيل - الصفحة ١٠٦ - المرأة فى بغداد وأثرها فى المجتمع
على أن الخيزران لم تستجب لمطلب ابنها الهادى ، فاستمرت فى مزاولة نشاطها فى الحياة العامة ، فلما اعتزم الهادى خلع أخيه هارون من ولاية العهد ومبايعة أبنه بدلا منه ، تصدت له الخيزران ، وانضم إليها يحيى بن خالد بن برمك فى دحض محاولة الهادى [١].
ظل نفوذ الخيزران فى عهد الرشيد على ما كان عليه فى عهد أخيه الهادى وأبيه المهدى. فكان يحيى بن خالد بن برمك ـ وزير الرشيد ـ ويأخذ برأيها وتوفيت فى عهد الرشيد ، وقدرت ثروتها يوم وفاتها بمائة ألف ألف وستين ألف ألف درهم ، ووجد فى منزلها من ثياب الوشى ١٨ ألف [٢].
ومن ذلك نرى أن الخليفة المهدى قد أتاح للمرأة فرصة إظهار مواهبها ، ولم يعزلها عن الحياة العامة ، ولا أدل على ذلك من أن أبنته عليه ذاعت شهرتها على اعتبار أنها من أرباب الفنون الرفيعة ، وزاد فى شهرتها ولعها بالشعر والغناء والأدب ، وبلغت فى الغناء درجة كبيرة من الاتقان ، بل وضعت ألحانا قيمه ، وكانت واسعة الاطلاع ، ومن أحسن النساء وأظرفهن ومما شجعها على الغناء إقبال أخيها إبراهيم بن المهدى وأخته وتوفيت سنة ٢١٠ ه. وبلغ من تفوقها الأدبى أنها كانت تراسل بالشعر [٣]. واشتغال هذه السيدة بالغناء دليل على أن المرأة كانت تتاح لها الفرصة لإبراز مواهبها الأدبية والفنية.
ومن أشهر نساء بغداد فى العصر العباسى الأول السيدة زبيده أم جعفر ـ زوجة الرشيد ـ ساهمت مع زوجها مساهمة كبيرة فى إصلاح أحوال البلاد وتخفيف أعباء الحياة عن الأهلين ، ومن أفضالها أنها سقت أهل مكة المكرمة الماء ، بعد أن كانت القربة من الماء عندهم بدينار ، فأسالت الماء عشرة أميال من المرتفعات القريبة من مكة حتى نقلته من الحل إلى الحرام ، وكان لها بجوار الكعبة دار عرفت بأسمها ، وقامت بإصلاحات جليلة فى المدينة المنورة ، ومهدت طريق الحج
[١] الأغانى ج ٨ ص ٢٣٤.
[٢] المسعودى : مروج الذهب ج ٢ ص ٥٦٧.
[٣] الأصفهانى : الأغانى ج ١٠ ص ١٦٢.