الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - سليمان الدخيل - الصفحة ٩١ - (ج) الموسيقى والغناء والمجالس الاجتماعية
كانت شخصية المأمون تخالف شخصية الأمين ، فقد عرف المأمون منذ حداثته بالجد والحرص على طلب العلم والتفقه فيه حتى أصبح حجة فى المسائل العلمية والفلسفية ، ولما قدم بغداد ظل بها ما يقرب من عشرين شهرا لا يستمع إلى للغناء ، ثم سمعه من ولاء ستار متشبها بالرشيد ، واستمر كذلك سبع سنين ثم ظهر للمغنين والملهين [١].
ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أشهر المغنين فى بغداد فى العصر العباسى الأول.
وذكرنا أن إبراهيم الموصل كان من المقربين إلى الرشيد لبراعته فى الغناء ، وأصله فارسى ، تعلم الغناء فى الموصلى ، تم صار إلى الرى وتعلم فيها أيضا ، وتعلم الغناء العربى والفارسى ، وأعجب به كثير من الناس ، والتفوا حوله حتى أن الرشيد قال : ما أعرف أحدا أكثر أصدقاء من إبراهيم [٢] يصنع فيحسن ، وكان بمنزله خطيب أو شاعر أو كاتب يتقن مهنته ، فضلا عن أنه كان شاعرا وأديبا حتى قيل إن إبراهيم بستان فيه جميع الثمار والرياحين [٣].
ولم يكن الناس يعلمون الجوارى الغناء ، وأول من علهم إبراهيم فإنه بلغ بالقيان كل مبلغ ، ورفع من أقدارهن ، وكان يضع اللحن ، ويكرره لتستوى له أجزاؤه ، وجواريه يضربن عليه ، صنع إبراهيم الموصلى تسعمائة لحن ، تفوق فى ثلاثمائة منها على جميع الموسيقيين المعاصرين والسابقين عليه [٤].
لما ولى الرشيد الخلافة وجلس بعد فراغه من إحكام الأمور ، دخل عليه المغنون ، وأول من غناه إبراهيم الموصلى ، فشقف به ، وكان الرشيد يعقد مجالس المغنيين ، ويطلب منهم أن يبرز كل واحد منهم ألحانه ، وفضل إبراهيم الموصلى على غيره ، وبلغ من محبته لأغانيه ، أنه كان يذهب إليه فى منزله ، ويطلب منه أن يغنيه من ألحانه [٥] وكان لكل واحد من المغنيين مذهب فى الألحان التى
[١] الجاحظ : التاج ص ٤٣.
[٢] الأصفهانى : الأغانى ج ٥ ص ١٦٩.
[٣] ابن عبد ربه : العقد الفريد ج ٤ ص ١٠٨.
[٤] الأصفهانى : الأغانى ج ٥ ص ١٨٧.
[٥] المصدر السابق ج ٥ ص ٢٣٠.