الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - سليمان الدخيل - الصفحة ٩٦ - (ج) الموسيقى والغناء والمجالس الاجتماعية
وتشجيعا له على الاستمرار فى نشاطه فحفظ ذلك لهم ، فلما نكبوا صار إليهم فى حبسهم ، وأقام معهم بقية أيامهم ينشدهم ويسامرهم ، ثم رثاهم فأكثر فى الإشادة بمحاسنهم وجودهم ومآثرهم ، فأذاع منها ما كان مستورا [١].
ولقد رأينا أن الجوارى فى بغداد اشتغلن بالغناء ، وبرز منهن كثيرات مثل عاتكة ، وبلغ من شهرتها وحسن غنائها أن المغنيين فى مجلس الرشيد كانوا يغنون من ألحانها ، وكانت عاتكة تتقن الضرب بالعود ، ومن أحسن المغنيات غناءا وأروجهم ، وكان مخارق مملوكا لعاتكة ، وهى علمته للغناء ، ودربته على استعمال العود ثم باعته ، فانتقل من رجل إلى رجل حتى صار إلى الرشيد وكان حسن الأداء طيب الصوت [٢].
وكانت متيم صفراء مولدة من مولدات البصرة ، وبها نشأت وتأدبت وغنت ، وأخذت عن إسحاق الموصلى وعن أبيه وعن المغنية المشهورة بزل ، وبلغ من شهرتها بالغناء أن الخليفة المأمون كان يبعث إليها فتجيئه وتغنيه ، فلما انتقل الخليفة المعتصم إلى سامرا أرسل إليها ، وأنزلها فى دار سميت الدمشقى ، ولكنها كانت ترفض الأبتعاد عن بغداد طويلا ، فكانت تستأذنه فى الذهاب إلى بغداد فيأذن لها ، وتقضى بمدينة السلام بعض الوقت ثم تعود إلى سامرا [٣].
من هذا نرى أن الموسيقى والغناء انتشرا فى بغداد انتشارا واسعا وأقبل كثير من الناس عليهما من طبقات مختلفة حتى أن شعر الشعراء كان إلا النزر اليسير ، داعرا ، ولم يقاس أهل بغداد من البؤس والشقاء إلا إبان الفتنة بين الأمين [٤] والمأمون.
اهتم الخلفاء العباسيون بعقد مجالس الغناء بمظاهر البذخ والروعة فيتخذ
[١] المصدر السابق ج ٦ ص ٢٤٥.
[٢] المصدر السابق ج ٦ ص ٢٦٠ ـ ٢٦٢.
[٣] الأصفهانى : الأغانى ج ٧ ص ٢٩٢ ـ ٢٩٣.
[٤] سيد أمير على : مختصر تاريخ العرب ص ٣٨٧.