الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - سليمان الدخيل - الصفحة ٧٩ - ٥ ـ الرقيق
قلنا إن الرقيق كثر فى بغداد حتى كانت قصور الخلفاء والأمراء ورجال الدولة تضم الألوف منهم ، ولقد رغب الأسلام فى عتق العبيد. لذلك أقبل الناس على ذلك تقربا إلى الله ، فكانت ريطة ابنة أبى العباس تشترى رقيقا للعتق [١] وأوصى الخليفة المعتصم قبل وفاته بعتق ثمانية آلاف من مماليكه [٢] بل كان العبد يستطيع أن يشترى حريته ، بدفع قدر من المال.
أثر الجوارى تأثيرا كبيرا فى ازدهار الفنون الجميلة فى بغداد ، لأن الناس حرصوا على أن تجمع الجوارى بين الجمال الخلقى والجمال الفنى ، فأخذوا يعلمون الجوارى فنون الرقص واللبس إلي غير ذلك من ضروب الفن ، وسرعان ما لقن المغنون جواريهم ألحانهم ، وطريقة غنائهم [٣].
وظهرت جوار أتقن كنابة الأشعار الرقيقة والعبارات اللطيفة تطريزا على الثياب ، وبعضهن أحب الأزهار وتغنى بها فقلدهن فيها الناس [٤].
وكان للجوارى فضل آخر ، إذ أنهم ـ كما رأينا ـ من بلاد مختلفة روميات وتركيات وهنديات وصقليات وغير ذلك ، وحاولن إدخال عاداتهن ، وأدى ذلك إلى انقسام الناس إلى طائفتين ، طائفة تتعصب للقديم ، وأخرى تفضل الجديد الذى أدخل عليه نغمات رومية أو تركية أو هندية أو نحو ذلك [٥].
وقد تأثر الإنتاج الأدبى بكثرة الرقيق ، فألف بعض الكتاب كتبا فى تجارة الرقيق ، وذكر أوصاف الرقيق من كل جنس وحاول بعضهم وضع قواعد للجمال ، كما تكلم بعضهم فى الألوان وحسنها.
[١] ابن طباطبا : الفخرى فى الآداب السلطانية ص ٢١١.
[٢] متز : الحضارة الإسلامية ج ١ ص ٢٢٣.
[٣] أحمد أمين : ضحى الإسلام ج ١ ص ٩٤.
[٤] المصدر السابق ذكره.
[٥] محمد جمال سرور : تاريخ الحضارة الإسلامية فى الشرق ص ١٧٠.