الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - سليمان الدخيل - الصفحة ١١٠ - الأخلاق والعادت
غلبت على أهل بغداد صفات الخلفاء ، والناس كما يقولون على دين ملوكهم ، فالمنصور أول خليفة قرب المنجمين ، وعمل بأحكام النجوم ، وقد نظر فى العلم ، وقرأ المذاهب ، وأرتاض فى الآراء ووقف على النحل ، وكتب الحديث ، فكثرت فى أيامه روايات الناس واتسعت عليهم علومهم [١]وكان المهدى سمحا كريما جوادا ، فسلك الناس فى عصره سبيله وذهبوا فى أمرهم مذهبه ، حتى كان لا يسؤل أحد فى أيامه إلا وأعطى ، أما الهادى فأول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف والقسى ، فسلك عماله طريقته ، وكثر السلاح فى عصره [٢].
وكان الرشيد مواظبا على الحج متابعا للغزو ، واتخاذ القصور وتمهيد الطرق فى طريق مكة فعم الناس إحسانه مع ما اقترن به من عدله وأقتدت به رعيته فظهر الحق وخفق الباطل [٣].
أما المأمون فكان أكثر الناس عفوا وأشدهم احتمالا وأحسنهم مقدرة ، وأجودهم بالمال الرغيب وأبذلهم بالعطايا ، واتبعه وزراؤه وأصحابه فى فعله ، وسلكوا سبيله وذهبوا مذهبه [٤] ، على أن المعتصم غلب عليه حب الفرسية والتشبه بالملوك الأعاجم فى ملبسه ومظهره ، فاقتدى بفعله الناس ، وعم الناس أفضاله ، وأمنت السبل فى أيامه ، وشمل الناس إحسانه [٥].
ظهرت نزعة فى بغداد تدعوا إلى الزهد ، وذلك أن بعض الناس بئسوا من الثراء وعفت نفوسهم عن التزلف والتقرب للأغنياء ، أو لم تمكنهم ظروفهم من ذلك ، وقوم خلصت نواياهم نحو الله واتجهوا إليه بكل ما استطاعوا ، وصفت نفوسهم ، ورأوا أن النفس إذا نالت ما أرادت انقادت إلى المعاصى ففضلوا التغلب
[١] المسعودى ـ مروج الذهب ج ٢ ص ٥٥٤.
[٢] المصدر السابق ج ٢ ص ٥٥٥.
[٣] المسعودى ـ مروج الذهب ج ٢ ص ٥٥٥.
[٤] المصدر السابق ج ٥٥٦.
[٥] المصدر السابق ص ٥٥٧.