الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - سليمان الدخيل - الصفحة ١٢٧ - عوامل النهضة الثقافية
هذه المجالس ، ومما لا شك فيه أن هذه المناظرات أدت إلى رواج الحركة العلمية لأن المناظرة إذا كانت تتم أمام خليفة أو أحد كبار رجال الدولة ، فأن المشتركين فيها يحرصون على إتقان مادتها العلمية حتى يدعم رأيه بالأسانيد المعقولة والمقبولة ، ويحظى بتقدير الحاضرين ، وكان للخلافات فى الرأى التى تحدث بين رجال العلم أثر كبير فى تقدم الحركة العلمية ، ذلك أنها شجعت العلماء على مواصلة البحث والدرس ، وإعداد أنفسهم حتى لا يخذلوا فى مجلس المناظرة مما يسئ إلى سمعتهم ومكانتهم [١].
والواقع أن الخلفاء العباسيين لم يألوا جهدا فى سبيل تشجيع الحركة العلمية فكان الرشيد من أبلغ الناس كلاما ، وأحسنهم نطقا وأكثرهم علما وفهما ، كتب إلى ولاة الأمصار كلها وإلى أمراء الأجناد يطالبهم بتشجيع العلم وأهله فقال : فانظروا من التزم الأذان عندكم فاكتبوه فى ألف من العطاء ، ومن جمع القرآن وأقبل على طلب العلم ، وعمر مجلس العلم ومقاعد الأدب ، فاكتبوه فى ألف دينار من العطاء ، ومن جمع القرآن وروى الحديث ونفقه فى العلم فاكتبوه فى أربعة آلاف دينار من العطاء واسمعوا قول فضلاء عصركم وعلماء دهركم.
وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ـ وهم أهل العلم ـ وبلغ من تشجيع الرشيد للعلم والتعليم أن الغلام كان يحفظ القرآن الكريم وهو ابن ثمان سنين ويتبحر فى الفقه ويروى الحديث ، ويناظر المعلمين وهو ابن أحد عشر عاما [٢].
وكان المأمون أعلم الخلفاء بالفقه والكلام وله عدة رسائل [٣] لذلك شجع العلماء على مواصلة البحث والدرس ، وعنى بمجالس المناظرة ، فكان يدخل عليه من العلماء الفقهاء المتكلمين جماعة يختارهم لمجالسته ومحادثته وأختير له من الفقهاء لمجالسته مائة رجل ، وناظرهم وناقشهم كثيرا ، حتى وقع اختياره على أفضلهم فكانوا عشرة فقط [٤].
[١] ابن طيفور : مناقب بغداد ص ، ٣٦
John : Giubb The Empire of the Araba p. ٩١٣.
[٢] ابن قتيبة : الأمامة والسياسة ج ١ ص ، ٩٩
[٣] ابن النديم : الفهرست ص ، ١٦٨
[٤] ابن طيفور : مناقب بغداد ص ، ٣٦