الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - سليمان الدخيل - الصفحة ١٤١ - العلوم النقلية
عليه ذلك وأنكره ، ولما أدرك أن الرشيد يعتزم التنكيل به غادر بغداد ، ولم يكن للمتكلمين الحرية فى عهد الرشيد فى إبداء آرائهم فقد نهى عن الجدال فى الدين وزج من خالف ذلك فى السجن [١].
على أن المعتزلة أرتفع شأنهم وأنتعشوا فى عهد المأمون لأنه أيد المعتزلة وأعتنق مبادئها ، وسار المعتصم على نهجه ، كما أن الواثق كان يؤمن بآراء المعتزلة.
ويجمع المؤرخون على أن بشر بن المعتمر مؤسس الأعتزال فى بغداد ، غضب الرشيد منه فقال : بلغنى أن بشرا يقول : القرآن مخلوق ، والله إن أظفرنى الله به لأقتلنه ، فأقام بشرا متواريا أيام الرشيد.
وقد تتلمذ عليه كثيرون مثل أبو موسى المردار وشماسة بن الأشرس وأحمد ابن أبى دؤاد وكان لهم صلات قوية بالمأمون [٢].
أما أبو موسى فيرجع إليه الفضل فى انتشار الأعتزال فى بغداد ، كان ورعا زاهدا فصيح اللسان قوى البيان ، واعظا وقصاصا موفقا وله تلميذان ساهما بنصيب كبير فى نشرا اراء المعتزلة فى بغداد ، يقال لهما الجعفران ، وهما جعفر بن مبشر ، وجعفر بن حرب سارا سيرة أستاذهما فى الورع والزهد والتقوى ، فلا غرو أن نرى هؤلاء العلماء الثلاثة يكثر أنصارهم الذين آمنوا بآرائهم بعد أن رأوا حسن سيرتهم.
ومن أشهر المتكلمين فى بغداد أبو الهذيل العلاف ، يرجع إليه الفضل فى إدخال الفلسفة على مبادئ المتكلمين ، كان واسع الأطلاع ، فصيح القول ، قوى البيان ، يستشهد بالشعر العربى فى مناظراته ، درس الفلسفة اليونانية ، استفاد منها فى مناقشاته وإبداء آرائه ، وقد جادل الزنادقة والمجوس وضعاف العقيدة ، وبلغ من قوة إقناعه وتأثيره أن أسلم على يديه ثلاثة آلاف رجل [٣].
كما أن أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندى ، كان من الفضلاء فى عصره ،
[١] الجهشيارى. الوزراء والكتاب ص ٢٩٠.
[٢] الخطيب البغدادى ، تاريخ بغداد ج ٧ ص ١٧٧.
[٣] دى بور ، تاريخ الفلسفة فى الإسلام ص ٥٧.