الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - سليمان الدخيل - الصفحة ٩٤ - (ج) الموسيقى والغناء والمجالس الاجتماعية
الرشيد ، وكان أبوه ينهاه عن منادمته ، ويأمره بترك الأنس به ، لأنه كان لا يأمن أن ترجع العاقبة عليه منه [١].
بلغ الشغف بالغناء فى بغداد حدا جعل العمل به لا يقتصر على عامة الناس بل تجاوزه إلى أمراء البيت العباسى ، وكان أولهم وأتقنهم صنعة فى الغناء إبراهيم ابن المهدى ، فإنه كان لا يستتر منه ، وفى أول أمره كان يغنى من وراء ستار إلا إذا جلس مع الرشيد والأمين من بعده فى خلوه ، ولما أمنه المأمون ظهر بالغناء ، وكان من أعلم الناس بالنغم والوتر والإيقاعات وأطبعهم بالغناء وأحسنهم صوتا ، وهو من المعدودين فى طيب الصوت خاصة ، وأصبح الناس ينقسمون فى الغناء طائفتين ، فمن كان منهم على مذهب إسحاق وأصحابه يفضل الغناء القديم ويعظم الإقدام عليه [٢] ومن اعتز بمذهب إبراهيم بن المهدى مثل مخارق إنما يغنى الغناء الجديد [٣]. وكان أديبا شاعرا راوية للشعر وأيام العرب فصيحا ، فكان يغنى طربا لا تكسبا ويغنى لنفسه لا للناس. وقد شغف به الناس فى بغداد حتى قال بعضهم : لم ير فى جاهلية ولا إسلام أحسن غناءا من إبراهيم بن المهدى [٤] وكان يحتفظ بدفاتر الغناء [٥] وتجلت مقدرة إبراهيم فى مجالس الخلفاء ، ففى مجلس المأمون والمعتصم يغنى المغنون ، ويغنى هو ، فإذا ابتدأ لم يبق من الغلمان وخدم القصر وأصحاب الصناعات والمهن الصغار والكبار أحد إلا ترك ما فى يده ، وقرب من أقرب موضع يمكنه أن يسمعه فلا يزال مصغيا إليه لاهيا عما كان فيه ما دام يغنى حتى إذا أمسك وتغنى غيره رجعوا إلى التشاغل بما كانوا فيه [٦].
وكان صالح بن الرشيد يحتفظ بدفاتر للغناء ، وبطرحها على جواريه وغلمانه
[١] الطبرى : تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة ١٩٢ ه.
[٢] الأصفهانى : الأغانى ج ١٠ ص ١١١.
[٣] الأصفهانى : الأغانى ج ٦ ص ١٧٥.
[٤] المصدر السابق ج ١١ ص ١٢٦.
[٥] المصدر السابق ج ١١ ص ١٤٠.
[٦] المصدر السابق ج ١١ ص ١٦٢.