الفوز بالمراد في تاريخ بغداد - سليمان الدخيل - الصفحة ١٧ - خطط بغداد وتطورها فى العصر العباسى الأول
خارجها إلى أنه خشى أن يضم الغرباء الذين يبيتون فى السوق جواسيس ، وجعل مدينته للشرطة والحرس وسائر السكان. وكان الكرخ ـ وهو السوق الذى اختاره المنصور ـ يقع ما بين الصراة ونهر عيسى ، ثم أمر ببناء مسجد فى السوق الجديد ، ولما كثر الناس ضاقت عليهم هذه الأسواق ، فبنوا أسواقا من أموالهم حتى اتسع الكرخ [١]. ومع ذلك فقد أمر المنصور بأن يبقى فى كل ربض يقال واحد لبيع الأشياء اليومية التى لا غنى للناس عنها. وبمرور الزمن اتسعت بغداد حتى صار الكرخ فى وسطها [٢].
لم يكتف المنصور بتأسيس مدينة على الضفة الغربية لدجلة ، بل عول سنة ١٥١ ه ، على توسيعها ، وذلك بإقامة مدينة جديدة على الجانب الشرقى لدجلة ، وأقامها فعلا وسماها الرصافة ، وعمل لها سورا وخندقا ومسجدا جامعا وقصرا ، وأجرى لها الماء ، ويرجع السبب فيما شرع فيه المنصور أنه خشى من اجتماع جنده فى مكان واحد ، أقصد الضفة الغربية ، فرأى تفريقهم على جانبى دجلة ، فإذا ثار عليه جند الضفة الغربية ضربهم بجند الضفة الشرقية ، وأمر أبنه المهدى بالإقامة فى الرصافة مع عسكره ، وأقطع المنصور أخوته وقواده نواحى فى البلدة الجديدة ، وتنافس الناس فى النزول بالرصافة لمحبتهم المهدى ولاتساعة عليهم بالأموال والعطايا ، ولأن الرصافة كانت أوسع الجانبين أرضا. ذلك أن الناس قد سبقوا إلى الجانب الغربى ، ولم تلبث أن عمرت الرصافة بالأسواق ومنازل التجار والجند وسائر الناس [٣].
اتسع الجانب الشرقى من بغداد واستقرت فيه الأسر الغنية وأتباعها من الموالى والعبيد الذين يبلغ تعدادهم بضعة آلاف ، وشيدت فى الرصافة قصور فخمة أهمها قصر جعفر بن يحيى البرمكى ، وأتخذه للهو والطرب وكان القصر فى موقع حسن لإطاله على دجله وصار إلى المأمون منزل صيده وقنصه ، وبنى حوله
[١] ياقوت : معجم البلدان ج ٢ ص ٢٢٣.
[٢] اليعقوبى : البلدان ص ٢٣٦.
[٣] ياقوت : معجم البلدان ج ٤ ص ٢٥٤.