ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ٦٩ - المطلب الأول حياة ابن ميمون و موقعه بين العلماء
يتملّكه و الذي لم تملأه علوم الظاهر. و بعد أن وجده في مدينة نفزاوة بتونس غيّر مسار حياته، إذ أعاد للشريعة أصالتها ببث روح الإخلاص فيها و إقامتها على أصولها الإيمانية.
و عليه فإن ما ذكره في التعريف بنفسه يغنينا عن إعادته، و لكن نضيف إليه ما لم يذكره، و هو أنه تولى القضاء بمدينة شفشاون[١] في أيام الأمير أبي الحسن علي بن راشد الأكبر[٢]، ثم ترك القضاء، و لازم غزو الإفرنج في السواحل المغربية، حيث كان قائد العسكر بها[٣].
و قد ذكر في التعريف بنفسه[٤] سبب هجرته إلى المشرق و بلاد العجم؛ و هو البحث عن الشيخ المربي؛ لكن لم يذكر من حثّه على ذلك. و قد تولى ابن عسكر بيان ذلك، و خلاصته أن رجلا كفيفا من الأولياء انفرد به في المسجد، فسأله ابن ميمون عن مكان شيخ التربية، فأحاله إلى بلاد الجريد[٥].
هذا و قد وصفه العلماء بما ينبىء عن مكانته العلمية العليّة، و منزلته الروحية السنيّة. فقد حلّاه تلميذه ابن عراق[٦] ب «الشيخ العارف
[١] -احتمل محمد حجي أن يكون ابن ميمون أول من تولّى القضاء في شفشاون بعد تأسيسها( انظر الحركة الفكرية بالمغرب: ٢/ ٤٢٢).
[٢] -انظر دوحة الناشر، ٢٨. و قد بنى له هذا الأمير دارا بجوار دار إمارته، و بقيت هذه الدار تحمل اسم ابن ميمون، و تحت يد حفدته، إلى الآن( انظر موجز تاريخ شفشاون: ٣٩).
[٣] -انظر الكواكب السائرة: ١/ ٢٧١، و الأعلام: ٥/ ١٨٠. و جاء في« دائرة المعارف الإسلامية»:
قيل إنه كان أميرا لقبيلة بني راشد في جبل غمارة، و أنه اعتزل الإمارة بسبب عدم قدرته على منع أهلها من شرب الخمر( انظر: ١/ ٤٠٠)، و هذا لم أقف عليه في المصادر العربية التي ترجمت له، و لم أجد فيها ما يفيد أنه كان أميرا. و قد ذكر ابن عسكر أنه ترك القضاء في شفشاون في أيام الأمير أبي الحسن المذكور بسبب أنه كان جالسا معه ذات يوم فقبّل يهودي يده، فقال ابن ميمون:« إنّا للّه و إنا إليه راجعون، نحن نقبل يدا تقبلها اليهود!»، فهاجر إلى فاس( انظر دوحة الناشر: ٢٨).
[٤] -انظر الفصل الأول من« رسالة الإخوان من أهل الفقه و حملة القرآن».
[٥] -انظر تفصيل هذه القصة في« دوحة الناشر»: ٢٨- ٢٩.
[٦] -صرّح بتتلمذه روحيا على ابن ميمون في مواضع عدة من كتبه، من ذلك قوله حاكيا عن نفسه:
« و مما اتفق للفقير مع شيخه الشيخ العارف الشريف سيدي أبي الحسن علي بن ميمون الحسيني الإدريسي المغربي، نفعنا اللّه به في الدنيا و الآخرة ...»( مقدمة أصول القواعد و الأركان الضامنة لوصول المقصر الوجلان: نسخة مخطوطة محفوظة في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم« ١٢٠٧ د»، ورقة ٦١ ب)، و منها قوله:« و مما اتفق لي مع سيدي؛ وفقني اللّه لحفظ حرمته، و نفعني- و المسلمين ببركته، حيث توجهت قاصدا[ في الأصل: قاصد] السلوك على يديه بمدينة حماة أنه قال لي: بأية نية جئتني ...»( وصية المنتظر غريب الوطن لكل حراتي بالمصحف و الكفن:
مخطوط محفوظ في نفس الخزانة بنفس الرقم، ورقة ٦٦ أ)، و قال:« فقال سيدي الشيخ ...»( وصية المنتظر: ٦٦ أ).