ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ٩٩ - نص الرسالة
و الدخول تحت نظره و أمره، و هو لم يتخلص من نفسه، و لا من الشيطان عدوه، بدليل أنه مسلط عليه في صلاته و سائر عباداته بالوسوسة، و هو مقرّ بذلك و معترف به لأتباعه. فلو عرف ماذا عليه من حق اللّه تعالى في خلقه الذين يندبهم إلى متابعته، و ماذا يلزمه في المصافحة من الحقوق الشرعية لفرّ منهم أشدّ فرارا[١] من الأسد، حتى يعرف ذلك كله بالكتاب و السنة، و يؤذن له في ذلك بالكتاب و السنة، فإذا أذن له تعيّن عليه حق اللّه في خلقه. فإذا كان ذلك كذلك كانت المصافحة على الأصل؛ لاحظّ فيها للنفس، و مهما كان في المصافحة حظ للنفس فحرام.
و قلّ من يلاحظ في هذا الزمان الصعب هذا، بل استولت النفوس على أربابها بطلب حظوظها الدنيوية، و لم يبق من يطلب طريق الآخرة على أصل الكتاب و السنة إلا قليلا، بل ارتكب الشيء على الوهم و الهوى[٢]، بدليل أنك إذا سألت أحدا ممّن ينتسب إلى الآخرة في زمننا هذا عن أقواله و أفعاله يقول: «هكذا وجدنا مشايخنا»، و ربما تكون أقوالهم و أفعالهم مخالفة للكتاب و السنة. فإذا قيل لهم في ذلك قالوا:
«كذا وجدنا مشايخنا»، فتركوا الكتاب و السنة، و اتبعوا المشايخ على غير الكتاب و السنة، بل على مخالفتها بالظاهر و الباطن.
فهذه مصيبة عظمى، هكذا رأيت من المغرب الأقصى إلى بلاد العرب، أعني بلاد السلام[٣]، و بلاد الحجاز، إلى بلاد الترك، إلا قليلا، بل أقلّ من القليل. فهذا من أعظم المصائب في هذا الزمان الصعب الذي خيره قليل و أهله أقل، و شره كثير، و أهله أكثر. زمن لا يفرق فيه بين الحق و الباطل، و لا بين السنة و البدعة، إلا قليلا، بل أقل من القليل[٤].
و لقد أخبرني بعض الأصحاب في شعبان أو شهر رمضان سنة ثمان بعد تسعمائة في مدينة برصة[٥] من بلاد الترك، عن بعض من يزعم المشيخة و التربية بالمدينة المذكورة، و له مريدون، قال: حدثه و قال له ما هذا معناه:
كنت في مشقة عظيمة مع الوسواس في صلاتي إلى أن يسّر اللّه لي ببعض النّقل؛ وجدته في بعض الكتب؛ عن بعض الصحابة أنهم كانوا يصلّون بالوسواس،
[١] -ص: فرار.
[٢] -ص: الهوا.
[٣] -أي بغداد.
[٤] -هنا انتهى النقص الأول الحاصل في« خ».
[٥] -يصفها ابن بطوطة بأنها« مدينة كبيرة عظيمة، حسنة الأسواق، فسيحة الشوارع، تحفّها البساتين من جميع جهاتها و العيون الجارية ...» رحلة ابن بطوطة: ص ٣٣١.