ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ٥٨ - تنبيه و إعلام لأمور ينبغي للمتسببين أن يلزموها
و اعلم أن اللّه تعالى[١] قد وصفك بالفقر إليه، و جعله نسبة بينك و بينه بجمعك عليه، فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر: الآية ١٥]، فاستوحشوا لمّا عروا[٢] من ملابس الغنى، و اقتلعوا من ملابس الغنى[٣] مراكز العز. و أهل المعرفة باللّه قالوا: لقد جلّ قدرنا، و عظم فخرنا[٤]، إذ جعل لنا من العناية[٥] أن أضافنا[٦] إليه، و دلنا بافتقارنا عليه. و ماذا علينا أن أعرانا[٧] من ملابس الغنى إذا كان مولانا غنيا، و بنا حفيّا، و ما عزلنا، بل ولّانا؟! فكل فقير إلى اللّه حقّ الفقر[٨] غنى باللّه، و كل غني باللّه حقّ الغنى فقير إلى اللّه.
فإن قلت: فأيّها أتمّ؟ الغنى باللّه أو الافتقار إلى اللّه؟
فاعلم أنه إذا نظرت إلى الفقر من حيث هو، و الغنى من حيث هو، فالافتقار إلى اللّه أتم من الغنى باللّه، لأن الفقر هو وصف العبودية، و الغنى هو وصف الربوبية، و ليس الأفضل لك إلا ما يليق بمقام عبوديتك، و هو الافتقار إلى اللّه، و ظهور الذلة و الانكسار. و الافتقار إلى اللّه و الغنى به يتعاقبان، فتارة يكون فيك[٩] الافتقار إلى اللّه، فيظهر عليك أثر مسكنتك و ما يليق بذلتك في[١٠] عبوديتك. و تارة يظهر عليك أثر الغنى باللّه، فيظهر اعتزازك به وصولتك، فلا يقاومك بشيء إذا كان به حولك[١١] و قوتك.
فالغالب على أرباب الأحوال ظهور أثر الغنى باللّه، و على أرباب المقامات ظهور الافتقار إلى اللّه.
و قد يكون المريد الغالب عليه الغنى باللّه، فيظهر عليه ما لا يظهر على شيخه من كبر[١٢] مقامه، لأن الغالب عليه الافتقار إلى اللّه، فيظهر عليه الأثر المناسب لمقامه.
و مما يدلك على ما قلنا إن القتل لما استمر بالصحابة في بعض غزواته صلى اللّه عليه و سلم رفع الرسول ٧[١٣] يديه مبتهلا بالدعاء حتى سقط الرداء عن منكبيه[١٤] قائلا:
[١] -ساقطة من د.
[٢] -ح: رأوا.
[٣]( ملابس الغنى) ساقطة من د.
[٤] -ح: خطرنا.
[٥] -ح: القيمة.
[٦] -د: أضفنا.
[٧] -ح: أعدانا.
[٨] -د: الفقير.
[٩] -ح: وقتك.
[١٠] -ح: و.
[١١] -د: إذا كان بدخولك.
[١٢] -ح: لكبر.
[١٣] -ح: صلى اللّه عليه و سلم.
[١٤] -د: منكبه.