تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٢٣٠ - شدة الاجتهاد
و كان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول: اللهم ارزقني عينين هطالتين تبكيان من خشيتك قبل أن تكون الدموع دما و الأضراس جمرا، و كان ذو النون المصري رحمه اللّه تعالى يقول: وقفت مرة على عابد في جبل و هو يبكي، فقلت له علام تبكي؟ فقال: لست أبكي على فوات شيء و إنما هي روعة يجدها الخائفون في قلوبهم من هيبة اللّه تعالى لا يمكنهم التلفظ بها، و كان إبراهيم الخواص رحمه اللّه تعالى يكثر من البكاء أواخر عمره و يقول: يا رب قد كبرت و قد ضعف جسمي و قلت عبادتي فاعتقني بفضلك من النار فإني لا أقدر أمكث فيها لحظة.
و قد كان نافع رحمه اللّه تعالى يقول: كان بوجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه خطان أسودان من مجرى الدموع، و لما رمدت عينا ثابت البناني رحمه اللّه تعالى و ضعف بصره قال له الحكيم: إن تركت البكاء و السجود أمكنني مداوتك، فقال ثابت: و ما حياتي في الدنيا بغير هذين اذهب فلا حاجة لي بمداوتك، و قد قالوا لمالك بن دينار رحمه اللّه تعالى ههنا شخص حسن الصوت بالقرآن أفلا تأتيه فتسمعه، فقال: إن الثكلى لا تحتاج إلى نائحة.
و قد كان الضحاك بن مزاحم رحمه اللّه تعالى يبكي كل ليلة عند الغروب حتى تبتل لحيته و يقول: إني أخاف أن يكون قد صعد من عملي في هذا اليوم ما يسخط ربي، و كان مكحول الدمشقي رحمه اللّه تعالى يقول: إذا رأيتم أحدا يبكي فظنوا به خيرا فإني نظرت مرة إلى رجل يبكي فظننت به أنه مراء فعوقبت بحرماني من البكاء سنة.
و كان يزيد بن ميسرة رحمه اللّه تعالى يقول: البكاء يكون من خمسة أشياء: من الفرح و الحزن و الوجع و الفزع و الرياء و سادسها البكاء من خشية اللّه تعالى و هو يأتي صاحبه بغتة و لا يكون بالتفعل و هذا هو الذي تطفئ الدمعة منه أمثال الجبال من النار اه.
و كان كعب الأحبار رضي اللّه عنه يقول: إن العبد ليبكي حتى يرسل اللّه له عز و جل ملكا فيمسح عينيه بجناحيه و حينئذ يبكي العبد من خشية اللّه تعالى، و كان مجاهد رحمه اللّه تعالى يقول: بكى داود عليه الصلاة و السلام أربعين يوما لا يرفع رأسه من السجود حتى نبت المرعى من دموعه و غطى رأسه حياء من اللّه عز و جل، فنودي يا داود أجيعان أنت فتطعم أم ظمآن فتسقى أم عريان فتكسى، فأجيب داود من غير طلب حتى تبلغ المؤاخذة حدها، قال:
ثم نحب داود نحبه هاج منها العمود فاحترق من حر جوفه، ثم أنزل اللّه تعالى عليه التوبة و المغفرة فقال: يا رب اجعل خطيئتي في كفي فصارت خطيئته منقوشة في كفه فكان لا يبسط كفه لطعام و لا شراب و لا غيرها إلا رآها و بكى.