تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ١٩٤ - ترك المعادة
ترك المعادة
(و من أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم): ترك معاداتهم للناس و كثرة مداراتهم لهم و عدم مقابلتهم أحدا بسوء، فالناس يعادونهم و هم لا يعادون أحدا و قد بلغنا أن داود عليه الصلاة و السلام قال لابنه: يا بني لا تستقل بالعدو الواحد و لا تستكثر أن يكون لك ألف صديق، و قد نظم ذلك الإمام الشافعي رضي اللّه عنه و هو قوله المتقدم: و ليس كثيرا إلخ، و كان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول: إياك أن تشمت بمصيبة أخيك فإن ذلك عنوان للعداوة، و قد قال صلى اللّه عليه و سلم: [لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه اللّه و يبتليك]، و كان وهيب بن الورد رحمه اللّه تعالى يقول: من لم يدار الناس لم يجد حلاوة الإيمان.
و قد كان محمد بن الفضل رحمه اللّه تعالى يجالس أعداءه و يلاطفهم بالكلام الحلو و يعزم عليهم أن يأكلوا عنده فقيل له في ذلك، فقال: لتخمد نار عداوتهم، و كتب صفوان رحمه اللّه تعالى على باب داره رحم اللّه من لا يعرفنا و لا نعرفه فإن لم يأت لنا أذى إلا من إخواننا الذين يعرفوننا و نعرفهم، و قد قيل لأيوب ٧ أي شيء كان أضر عليك أيام بلائك، فقال: شماتة أعدائي و قد أنشد بعضهم في ذلك يقول:
|
جميع فوائد الدنيا غرور |
فلا يبقى لمسرور سرور |
|
|
فقل للشامتين بنا استعدوا |
فإن نوائب الدنيا تدور |
|
قال: و لما بلغ يزيد بن عبد الملك و هو مريض أن هشاما سر بمرضه و تمنى موته أنشأ يقول:
|
تمنى رجال أن أموت و إن أمت |
فتلك سبيل لست فيها بأوحد |
|
|
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى |
تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد |
|
و كذلك بلغنا إن الأمام الشافعي رضي اللّه عنه قال ذلك لما تمنى الأقران موته، و كان محمد بن كدام رحمه اللّه تعالى يقول لابنه: يا بني عش مع أهل زمانك و لا تقتد بهم، ثم يقول: ما أشر هذا العيش مع الأحياء و الاقتداء بالأموات، و كان يقول: لا تعادوا أحدا حتى تنظروا إلى عمله فإن كان عمله حسنا فإن اللّه لا يسلمه إليكم، و إن كان عمله سيئا فخطاياه تكفيه، و كان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول: لا تشتر مودة ألف رجل بعداوة رجل واحد.
و كان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول: إياك و معاداة الناس فإني ما خالفت