تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٢٢ - الأخلاص
الرحمن الزاهد يوبخ نفسه كثيرا و يقول في مناجاته من أسوا حالا مني عاملت عبادك في الظاهر بالأمانة و عاملتك في السر بالخيانة، و كان الفضيل بن عياض يقول من يدلني على عابد بكاء بالليل و صوام و بالنهار و أنا أدعو له، و كان ميمون بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول إن علانية بغير سريرة صالحة مثل كنيف مزخرف من خارجه، و كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول لو صحت النية في العلم لم يكن عمل أفضل منه، و لكنهم تعلموه لغير العمل به و جعلوه شبكة لصيد الدنيا.
و قد دخل سفيان الثوري على الفضيل بن عياض رحمهما اللّه تعلا يوما فقال له:
عظني يا أبا علي، فقال له الفضيل: و بماذا أعظكم معاشر العلماء كنتم سرجا يستضاء بكم في البلاد فصرتم ظلمة و كنتم نجوما يهتدى بكم في ظلمات الجهل فصرتم حيرة يأتي أحدكم إلى أبواب هؤلاء الولاة فيجلس على فرشهم و يأكل من طعامهم و يقبل هداياهم ثم يدخل بعد ذلك إلى المسجد فيجلس فيه ثم يقول حدثنا فلان عن فلان عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بكذا، و اللّه ما هكذا يطلب العلم، قال: فبكى سفيان حتى خنقته العبرة و خرج.
و كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول: إذا رأيتم العالم أو العابد ينشرح لذكره بالصلاح عند الأمراء و أبناء الدنيا فاعلموا أنه مراء، و كان سفيان بن عيينة رحمه اللّه تعالى يقول: إذا رأيتم طالب العلم كلما ازداد علما كلما رغب في الدنيا و شهواتها فلا تعلموه فإنكم تعينوه على دخول النار بتعليمكم إياه و كان كعب الأحبار رضي اللّه عنه يقول سيأتي على الناس زمان يتعلم جهالهم العلم ثم يتغايرون به على القرب من الأمراء كما يتغاير النساء على الرجال فلذلك حظهم من العلم، و كان صالح المري رحمه اللّه تعالى يقول من ادعى الإخلاص في العلم فليعرض على نفسه إذا وصفه الناس بالجهل و الرياء فإن انشرح صدره لذلك فهو صادق و إن انقبض من ذلك فهو مراء و كان رحمه اللّه تعالى يقول احذروا عالم الدنيا أن تجالسوه فإنه يفتنكم بزخرفة كلامه و مدحه للعلم و أهله من غير عمل به، و كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول: من علامة المرائين بعلمهم أن يكون علمهم كالجبال و عملهم كالذر و كان يقول لو أن حامل العلم عمل به لتجرع مرارته و لم يفرح به لأنه كله تكاليف، و كلما ازداد علما ازداد تكاليف فلا ينبغي للعالم أن يفرح بعلمه إلا بعد مجاوزة الصراط.
و كان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول: اطلبوا العلم للعمل فإن أكثر الناس قد غلطوا في ذلك فظنوا النجاة بعلمهم من غير عمل به فأين الآيات و الأخبار الواردة في تعذيب من لم يعمل بعلمه، و كان ذي النون المصري رحمه اللّه تعالى يقول: لقد أدركنا الناس و أحدهم كلما ازداد علما ازداد زهدا في الدنيا و تقليلا من متاعها و نراهم اليوم كلما ازداد