تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٣١ - قلة الضحك
فأحبوا الصالحين و اتخذوا عندهم أيادي فإن لهم دولة يوم القيامة و كان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول: مصارمة الفاسق قربة إلى اللّه تعالى، (قلت): و مراده مصارمته بالقلب أما في الظاهر فلا تنبغي مصارمته لأجل تقويم عوجه و تبغيضه في صفات الفسق، فإن الفاسق ضالة كل داع إلى اللّه تعالى، فافهم ذلك و اللّه أعلم، و قد سئل سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى هل نعزي الفاسق إذا مات له ميت، قال: لا، و كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يذكر أبا بكر و عمر رضي اللّه عنهما و يبكي و يترحم على معاوية رضي اللّه عنه و يقول: إنه كان من أكابر العلماء إلا أنه ابتلى بحب الدنيا انتهى.
(قلت): الذي ينبغي حمل حبه للدنيا على أنه يحبها لعمل الآخرة كما عليه السلف الصالح بل هو أولى بقصد ذلك من الأولياء لأنه صحابي جليل رضي اللّه عنه و اللّه أعلم، و كان الحسن البصري رحمه اللّه يقول من ادعى أنه يحب عبدا للّه تعالى و لم يبغضه إذا عصى اللّه تعالى فقد كذب في دعواه أنه يحبه للّه، و كان محمد بن الحنفية رضي اللّه عنه يقول من أحب رجلا من أهل النار لخير ظهر منه آجره اللّه على ذلك، و من أبغض رجلا من أهل الجنة لشر ظهر منه آجره اللّه على ذلك، و قد كان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى لا يطرد الكلب إذا جلس بحذائه و يقول هو خبر من قرين السوء و كفى بالمرء شرا أن لا يكون صالحا و يقع في الصالحين.
و كان أحمد بن حرب رحمه اللّه تعالى يقول: ليس شيء أنفع لقلب العبد من مخالطة الصالحين و النظر إلى أفعالهم، و ليس شيء أضر على القلب من مخالطة الفاسقين و النظر إلى أفعالهم، و كان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول: ولى اللّه ريحان الأرض فإذا شمه المريدون و وصلت رائحته إلى قلوبهم اشتاقوا إلى ربهم انتهى.
فتأمل يا أخي حالك هل أحببت أحدا للّه و أبغضته كذلك للّه تعالى، أم أحببت بالهوى و أبغضت بالهوى، و ابك على نفسك و أكثر من الاستغفار ليلا و نهارا، و الحمد للّه رب العالمين.
قلة الضحك
(و من أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم): قلة الضحك و عدم الفرح بشيء من الدنيا بل كانوا ينقضبون بكل شيء حصل لهم من ملابسها و مراكبها و مناكحها و مناصبها عكس ما عليه أبناء الدنيا، كل ذلك خوفا أن يكون من جملة ما عجل لهم من نعيم الآخرة، و كيف يفرح بشيء من هو في السجن محبوس عن لقاء اللّه عز و جل فكما يحزن