تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ١٣٠ - عدم الغفلة
و فى الحديث [أن إبليس يضع عرشه في البحر و يرسل سراياه و جنوده فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة للناس] اه.
و كان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول: بلغنا أن إبليس لعنه اللّه قال: يا رب أما ترى حب عبادك لك و مع ذلك يعصونك و كثرة بغضهم لي مع كثرة طاعاتهم لي، فأوحى اللّه إلى الملائكة إني قد غفرت لهم كثرة عصيانهم لي بمحبتهم لي، و تجاوزت عن كثرة طاعتهم لإبليس بكثرة بغضهم له، و كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول:
إن إبليس إذا ظفر بابن آدم بإحدى ثلاث قال لا أطلب منه غيرها، إعجابه بنفسه، و استكثاره عمله و نسيانه ذنوبه، و في رواية بإحدى أربع و هي زيادة الشبع و هو أعظمها، فإن الثلاثة تنشأ عنه، و كان وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى يقول: إياكم أن تعادوا الشيطان في العلانية و تطيعوه في السر فإن كل من بات عاصيا بات الشيطان لأجله عروسا.
و قد كان محمد بن واسع رحمه اللّه تعالى يغلس إلى المسجد فتمثل له الشيطان يوما في صورة إنسان يحمل له السراج بين يديه، و كانت ليلة باردة مظلمة فأشرفت عليها امرأة من شباك لها فقالت: ما أقسى قلب هذا الشاب يكلف هذا الشيخ أن يحمل له السراج في مثل هذه الليلة، فسمعها محمد بن واسع فقال لها دعيه يشقى أشقاه اللّه تعالى، فعرف إبليس أنه عرفه فأطفأ السراج و هرب.
و قد بلغنا أن إبليس لعنه اللّه دخل على الجنيد رحمه اللّه تعالى في صورة إنسان و عليه مرقعة و في عنقه سبحة و في وسطه منطقة على شكل خدام المشايخ، و قال له سيدي إني أحببت أن أخدمك لعل أن تنالني بركتك فمكث يخدمه و يوضيه نحو عشرين سنة فلم يجد له عليه طريقا يدخل إليه منها في وقت من الأوقات فلما أراد الانصراف قال له أما تعرفني؟ فقال الجنيد: بلى قد عرفتك في أول دخولك عليّ و إنك أبو مرة إبليس، فقال له إبليس: ما رأيت أحدا على قدمك يا أبا القاسم، فقال له الجنيد اذهب عني يا ملعون أردت أن لا تفارقني إلا بشىء تتلف به ديني و هو الإعجاب بحالي.
و قد كان محمد بن واسع رحمه اللّه تعالى يقول كل يوم بعد الصبح: اللهم إنك سلطت علينا عدوا لنا بصيرا بعيوبنا مطلعا على عوراتنا يرانا هو و قبيله من حيث لا نراه، اللهم فآيسه منا كما آيسته من رحمتك و قنطه منا كما قنطته من عفوك و باعد بيننا و بينه كما باعدت بينه و بين مغفرتك و جنتك إنك على كل شيئ قدير، قال: فتمثل له