تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ١٣١ - عدم الغفلة
إبليس يوما و قال له: يا محمد لا تعلم هذا الدعاء لأحد و أنا لا أعود أتعرض لك بسوء أبدا، فقال له محمد: و اللّه لا أمنعه من أحد و اصنع أنت ما شئت، قال: و قد تراءى يوما إبليس لعنه اللّه لعيسى عليه الصلاة و السلام و قال له: يا روح اللّه قل لا إله إلا اللّه، فقال عيسى كلمة حق أقولها و لكن لا لقولك لا إله إلا اللّه.
قال سيدي علي الخواص رحمه اللّه تعالى أراد إبليس بذلك أن يكون عيسى تلميذا له في كلمة التوحيد فلم يفعل عيسى عليه الصلاة و السلام و منعته العصمة، و كان كعب الأحبار رضي اللّه عنه يقول: ذكر اللّه تعالى في جنب الشيطان كالأكلة في جنب ابن آدم، و كان عبد العزيز بن أبي رواد رحمه اللّه تعالى يقول: لقد حججت ستين حجة و عملت أعمالا كثيرة من القربات و مع ذلك فما حاسبت نفسي قط إلا وجدت نصيب الشيطان من ذلك أقوى من نصيب ربي عز و جل، فليتني خرجت من الدنيا كفافا لا عليّ و لا لي.
و كان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول: إياكم و خوف الفقر فإنه ليس للشيطان سلاح يقاتل به ابن آدم أشد من خوف الفقر، لأنه إذا خاف الفقر أخذ من الباطل و منع من الحق، و تكلم بالهوى و ظن بربه سوء الظن فلقي كل سوء، و قد كان الإمام الشافعي رضي اللّه عنه يقول: من نعم اللّه عليّ أني ما فررت من الفقر قط، و كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول: ما قطع ظهر إبليس شيء مثل من أحسن عمله قال تعالى: [لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا][١]، و لم يقل أكثر عملا، و كان رحمه اللّه تعالى يقول: إذا بلغ العبد أربعين سنة و لم يتب من جميع المعاصي و الذنوب مسح الشيطان بيده على جبهته و قال فديت وجها لا يفلح.
(قلت) و يؤيد ذلك ما رواه الطبراني مرفوعا من بلغ الأربعين من عمره و لم يغلب خيره على شره فليتبوأ مقعده من النار اه، و كان مجاهد رحمه اللّه تعالى يقول: ليس عندي شيء أقطع لظهر إبليس عند النكبة و العثرة مثل قول لا إله إلا اللّه لأنك إذا لعنته لم يتأثر لذلك إنما يقول: لعنت ملعونا. و كان سفيان بن عبينة رحمة اللّه تعالى يقول: إن إبليس له ثلثمائة و ستون صكا فيها غرور و مكابرة ببنى آدم، فلا بد كل يوم أن يعرضها على قلوبهم واحدا بعد واحد. و كان محمد بن سيرين رحمة اللّه تعالى يقول: ليس لإبليس كيد أعظم من رؤية العبد نفسه على إخوانه فإنه إذا مات على ذلك مات و ربه ساخط
[١] -سورة هود: الآية ٧.