تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٦٥ - قيام الليل
و كان عبد اللّه بن مسعود يقوم للتهجد إذا هدأت العيون، فيسمع له دوي كدوي النحل حتى يصبح، و كان سفيان الثوري إذا غفل عن نفسه فأكل كثيرا يقوم الليلة كلها و يقول: إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في تعبه في بقية الأحمال الشاقة.
و كان طاوس رحمه اللّه يفرش فراشه من العشاء و يصير يتقلب عليه و يئن إلى الصباح لا ينام، و كثيرا ما كان يقوم من العشاء إلى الفجر شاخصا و كثيرا ما يمكث جالسا مطرقا إلى الفجر لا يتكلم و كان يقول: إن خوف جهنم أطار النوم نوم العابدين، و كان السلف الصالح رضي اللّه عنهم يعرفون وجه من نام عن قيام الليل و يقولون: ما رأيناك في الحضرة الإلهية و قد حضر فلان و فلان و فرقوا عليهم التحف، و كان يعيب بعضهم على بعض النوم على فراش و طئ له و كان بعضهم قعد على فراش حين قدم من سفر فنام عن ورده تلك الليلة فحلف أن لا ينام على فراش حتى يموت.
و كان عبد العزيز بن أبي داود يفرش له الفراش فيضع يده عليه و يقول ما ألينك و لكن فراش الجنة ألين منك ثم يقوم إلى صلاته فلا يزال يصلي إلى الفجر، و كان الفضيل بن عياض يقول: إني لأقوم الليلة فيطلع الفجر فيرجف قلبي و أقول جاء النهار بما فيه من الآفات، و كان بشر الحافي و أبو حنيفة و يزيد الرقاشي و مالك بن دينار و سفيان الثوري و إبراهيم بن أدهم يقومون الليل كل على الدوام إلى أن ماتوا، و قالوا مرة لبشر الحافي ألا تستريح لك في الليل ساعة، فقال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قد قام حتى تورمت قدماه و قطر منهما الدم مع أن اللّه تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، فكيف أنام و أنا لم أعلم أن اللّه غفر لي ذنبا واحدا.
و كان الحسن البصري يقول: ما ترك أحد قيام ليلة إلا بذنب أذنبه تفقدوا نفوسكم كل ليلة عند الغروب و توبوا إلى ربكم لتقوموا الليل، و كان كثيرا ما يقول إنما يثقل قيام الليل على من أثقلته الخطايا، و كان أبو الأحوص يقول: أدركنا العلماء و العباد و هم لا ينامون الليل و كنت إذا طفت بدار أو بمسجد في الليل سمعت فيه دويا كدوي النحل، فما بال هؤلاء أهل زماننا يأمنون مما كان أولئك يخافون منه، و كان صلة بن أشيم رضي اللّه عنه يصف قدميه للصلاة من العشاء إلى الفجر ثم يقول إذا فرغ من صلاته يا رب أجرني من النار فإن مثلي لا ينبغي له سؤال الجنة.
و قال رجل لإبراهيم بن أدهم إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء، فقال له: لا