تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٢٣ - الأخلاص
أحدهم علما ازداد في الدنيا رغبة و كثرة لأمتعتها من لباس و مطعم و مسكن و منكح و مركب و خدم و نحو ذلك.
و كان سفيان بن عيينة رحمه اللّه تعالى يقول: كيف يكون حامل القرآن عاملا به و هو ينام الليل و يفطر النهار و يتناول الحرام و الشبهات، و كان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى يقول: لو أن هؤلاء القراء أحياء لوجدوا ألم النار في بطونهم إذا أكلوا الحرام و لكنهم أموات يرتعون في الجيف و النار، و قد كان منصور بن المعتمر رحمه اللّه تعالى يقول لعلماء زمانه: إنكم لستم علماء و إنما أنتم متلذذون بالعلم يسمح أحدكم المسألة و يحكيها للناس و لو أنكم عملتم بعلمكم لتجرعتم المرارات و الغصص و لحثكم علمكم على التورع حتى لا يجد أحدكم رغيفا يأكله، و كان الربيع بن خيثم رحمه اللّه تعالى يقول كيف يصح للعالم أن يرائي بعلمه و هو يعلم من نفسه أن تعلمه لغير اللّه، و ذلك حابط من أصله فكيف يرى نفسه على الناس بما هو حابط.
و قد كان الإمام النووي رحمه اللّه تعالى إذا دخل عليه أمير على غفلة و هو يدرس في العلم في المدرسة الأشرفية أو جامع بني أمية يتكدر لذلك و إذا بلغه أن أحدا من الأكابر قد عزم على زيارته في يوم درسه لا يدرس العلم ذلك اليوم خوفا أن يراه ذلك الأمير و هو في محفله و درسه العظيم و يقول: من علامة المخلص أن يتكدر إذا طلع الناس على محاسن عمله كما يتكدر إذا اطلعوا على مساويه فإن فرح النفس بذلك معصية و ربما كان الرياء أشد من كثير من المعاصي و كان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول قبيح بالعالم أن يشبع في هذا الزمان من الحلال فكيف بمن يشبع من الحرام، و اللّه لو أني أكلت أكلة و صارت في بطني كالآجرة تكفيني حتى أموت فقد قيل أنها تمكث في الماء أكثر من ثلاثمائة سنة، و كان يقول ورع العلماء إنما هو في ترك تناول الشهوات، أما المعاصي الظاهرة فتراهم يتركونها خوفا أن تذهب عظمتهم من قلوب الناس، و كان رحمه اللّه تعالى يقول بلغني أنه يأتي في آخر الزمان رجال يتعلمون العلم لغير اللّه تعالى كيلا يضيع ثم يكون عليهم تبعة يوم القيامة.
(قلت): و يؤيده حديث [إن اللّه يؤيد هذه الدين بالرجل الفاجر] و اللّه أعلم، و كان بكر بن عبد اللّه المزني رحمه اللّه تعالى يقول من علامة المرائي بعلمه أن يرغب الناس في العلم و يذكر لهم ما فيه من الفضائل ثم إن شاوره أحد في القراءة على أحد من أقرانه لا يرغبه فيه كل الترغيب، و كان عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى يقول: قد غلب على القراء في