تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٢٢٩ - شدة الاجتهاد
المحبوب فليكثر من البكاء على الذنوب، و كان محمد بن عثمان رحمه اللّه تعالى يقول: ما شبهت عيني الفضيل بن عياض رحمه اللّه إلا كأنهما ميزابان، و قد قال أنس بن مالك رضي اللّه عنه يوما لثابت البناني رحمه اللّه تعالى ما أشبه عينيك بعيني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قال: فبكى ثابت حتى عمشت عيناه غيرة على عيني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن يشبه بهما غيرهما.
و قد بكى فتى من الأنصار رضي اللّه عنهم حتى أظلم بصره فعوتب على ذلك فقال:
و اللّه لأبكين ما عشت فإذا مت فعند اللّه أحتسب تقصيري في مرضاته، و لما بكى الحسن البصري على ابنه سعيد رحمهما اللّه تعالى لاموه على ذلك، فقال: رحم اللّه سعيدا و الحمد اللّه الذي لم يجعل بكاء يعقوب على يوسف عليهما الصلاة و السلام عارا و لم يعاتبه اللّه على ذلك و إلا لو كان عارا كان الأمر قد ضيق علينا.
و كان العتبي رحمه اللّه تعالى يقول: اجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى فاطلع عليهم من كوة و هو يبكي و الدموع تتقاطر على وجهه و لحيته و هو يضطرب فقال لهم: ما بالكم؟ فقالوا له: عظنا يا أبا علي، فقال: عليكم بالقرآن عليكم بالسنة عليكم بالصلاة، و يحكم هذا الزمان ليس بزمان حديث و إنما هو زمان احفظ لسانك و أخف مكانك و عالج الليل و خذ ما تعرف ودع ما تنكر.
و كان أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى يقول: بلغنا أنه ما سالت قطرة من عين قبل الرواح إلى الجمعة إلا أوحى اللّه تعالى إلى كاتب الشمال أن اطو صحيفة عبدي فلان و لا تكتب عليه خطيئة إلى مثلها من الجمعة الأخرى.
و كان منصور بن زاذان رحمه اللّه تعالى يصلي و يبكي و يحل عمامته كورة كورة يمسح بها دموعه حتى تبتل ثم ينشرها في الشمس، و قد كان كعب الأحبار رضي اللّه عنه يقول:
و الذي نفسي بيده لأن أبكي من خشية اللّه تعالى حتى تسيل دموعي على وجهي أحب إليّ من أن أتصدق بجبل من ذهب، و كان ذر بن عمرو رحمه اللّه يقول لأبيه: يا أبت ما لي أرى المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد، فإذا تكلمت أنت سمعت البكاء من ههنا و من ههنا، فقال:
يا بني ليست النائحة بالأجرة كالنائحة الثكلى، و قد كان كعب الأحبار رضي اللّه عنه يقول: مر يحيى بن زكريا عليهما الصلاة و السلام بولد و هو مكب على قبر يبكي، فقال له: ما الذي يبكيك يا ولدي؟ فقال: أخبرني جبريل عليه الصلاة و السلام أن بين الجنة و النار مفاوز لا يطفئ حرها إلا الدموع، فقال له: عليك بالبكاء يا بني ثم أكب على القبر يبكي معه حتى بلا الثرى اه.