تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٥٣ - كثرة العفو
تردوا المظالم لأهلها، فقال موسى لهم ذلك، فقالوا: نحن لا نحصي عدد المظالم حتى نردها فماتوا عطشا و جوعا.
فانظر يا أخي إلى كثرة اتهام السلف أنفسهم و إياك و المبادرة إلى الخروج إلى الاستسقاء إلا إن كنت تظن أن اللّه غفر لك ذنوبك، فإن لم تظن ذلك فتربص ثم تب إلى اللّه تعالى و أخرج، و الحمد للّه رب العالمين.
كثرة العفو
(و من أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم): كثرة العفو و الصفح عن كل من آذاهم بضرب أو أخذ مال أو وقوع في عرض أو نحو ذلك تخلقا بأخلاق رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فإنه صلى اللّه عليه و سلم كان لا ينتقم لنفسه و إنما ينتقم إذا انتهكت حرمات اللّه، و كان جعفر بن محمد يقول: لأن أندم على العفو أحب إلي من أن أندم على العقوبة، و كان حاتم الأصم يقول من عدم إنصافك أن تبغض الناس إذا عصوا ربهم و لا تبغض نفسك إذا عصت ربها، قلت المراد ببغض الإنسان نفسه معاقبتها بالجوع و العطش و عدم النوم على فراش و نحو ذلك، فيعاملها معاملة الشخص لمن يكره بالغضب و عدم الشفقة لا كمعاملة المحب لمحبوبه.
و قد قال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي اللّه عنه دعوت نفسي إلى العبادة مرة فأبت فعاقبتها فمنعتها الماء سنة، و كان المدايني يقول: أقبح المكافاة المجازاة بالإساءة، و كان التيمي يقول:
كثرة الاحتمال تورث المحبة، قال: و أدخلوا على ابن الزبير رجلا قد أحدث أي أذنب فدعا بالسياط ليضربه فقال له الرجل أسألك بمن تكون يوم القيامة بين يديه أذل مني بين يديك ألا عفوت عني، فنزل ابن الزبير عن سريره و ألصق خده بالأرض و قال قد عفوت، قلت:
و لعل تركه للتأديب على من أقسم عليه لعذر شرعي كأن خاف من إقامته مفسدة أعظم من إقامته التأديب عليه و اللّه أعلم.
و سئل قتادة من أعظم الناس قدرا؟ قال أكثرهم عفوا، و سرقت امرأة مصحف مالك بن دينار و ملحفته فجعل يتبعها أنا مالك خذي الملحفة و هاتي المصحف لا تخافي، و كان أبو سعيد المقبري يقول من تمام العفو ترك مكافأة الظالم و الترحم عليه و كثرة سؤال اللّه أن يعفوا عنه، و لما ضرب الإمام مالك جعل ضاربه في حل من أول سوط ضربه به، و كذلك بلغنا عن الإمام أحمد لما ضرب و كان يقول و ماذا على رجل أن لا يعذب اللّه أحدا بسببه، و كان كعب الأحبار يقول: من صبر على أذى امرأته أعطاه اللّه من الأجر ما أعطى أيوب