تنبيه المغترين - الشعراني، عبد الوهاب - الصفحة ٢٢٨ - شدة الاجتهاد
و قد كانت رابعة عدوية رحمها اللّه تعالى لا تهدأ و لا تنام و لا تفطر حتى ماتت، قال الداراني رحمه اللّه صليت معها ليلة فلما كان الصباح، قلت لها يا رابعة ما جزاء من قوانا على قيام هذه الليلة، قالت: أن تصوم له النهار و تقوم له الليل حتى تموت.
و قد كانت رملة العابدة رحمها اللّه تكثر الصوم حتى اسود جلدها و بكيت حتى عميت وصلت حتى أقعدت، قال إبراهيم الخواص رحمه اللّه صليت معها ليلة فلما كان السحر سمعتها تقول يا ليتني لم أخلق ثم تبكي، و كان صالح المري رحمه اللّه تعالى يقول:
قرأت مرة قوله تعالى: [يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ][١] فسمعها عابد فصعق ثم أفاق فقال: أعدها علي فأعدتها عليه فخر ميتا، و قد وعظ عبد الواحد بن زيد رحمه اللّه الناس مرة فصاح رجل من ناحية المسجد كف عن كلامك يا واعظ فقد كشفت قناع قلبي، فلم يكف عبد الواحد فصرخ الرجل ثم خرجت روحه، قال ابن القاسم و أنا ممن شهد جنازته رحمه اللّه تعالى، و قد قرأ زرارة بن أبي أوفى رضي اللّه عنه قوله تعالى: [فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ][٢]، و كان في الصلاة فخر ميتا.
و كان عمر بن أدهم رحمه اللّه تعالى يعصب عينيه إذا خرج إلى السوق لا يرى كافرا و لا غافلا عن اللّه تعالى، و كان له غلام يقوده فقال لغلامه يوما أين نحن؟ قال: في المقابر فحل العصابة عن عينيه فوقع بصره على القبور فخر ميتا.
و قد كان إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام إذا ذكر النار بكى حتى يسمع وجيب قلبه من مسيرة ميل، فقال له جبريل عليه الصلاة و السلام يوما هل رأيت خليلا يعذب خليله، فقال يا جبريل: إذا ذكرت خطيئتي نسيت خلتي، و كان ميمون بن مهران رحمه اللّه تعالى يقول: بلغنا أنه لما نزل قوله تعالى: [وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ][٣]، صاح سلمان الفارسي رضي اللّه عنه و وضع يده على رأسه و خرج هائما فمكث ثلاثة أيام لا يعي شيئا، و كان محمد بن المنكدر رحمه اللّه تعالى إذا بكى مسح وجهه و لحيته بدموعه و يقول: بلغني أن النار لا تأكل موضعا مسه الدموع.
و قد كان الإمام أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه يقول: من استطاع أن يبكي فليبك و من لم يستطع فليتباك، و كان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول: من كان يريد القرب من
[١] -سورة الأحزاب: الآية ٦٦.
[٢] -سورة المدثر: الآية ٨، ٩.
[٣] -سورة الحجر: الآية ٤٣.