البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٦ - ج- الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والذكريات الاسلامية
هذه مواسم اليهود، والنصارى، والعرب، في أمسها ويومها، وفي الإسلام وقبله، سجَّلها التاريخ في صفحاته.
وكأن هذه السنّة نزعة إنسانية، تنبعث من عوامل الحب والعاطفة، وتُسقى من منابع الحياة، وتتفرع على اصول التبجيل والتجليل، والتقدير والاعجاب، لرجال الدين والدنيا، وأفذاذ الملأ، وعظماء الامة، إحياءً لذكرهم، وتخليداً لاسمهم، وفيها فوائد تأريخية اجتماعية، ودورس أخلاقية ضافية راقية، لمستقبل الأجيال، وعظات وعبر، ودستور عملي ناجع للناشئة الجديدة، وتجارب واختبارات، تولِّد حنكة الشعب، ولا تختص بجيل دون جيل، ولا بفئة دون اخرى.
وإنَّما الأيام تقتبس نوراً وازدهاراً، وتتوسم بالكرامة والعظمة، وتكتسب سعداً ونحساً، وتتخذ صيغة مما وقع فيها من الحوادث المهمة، وقوارع الدهر ونوازله ...»[١].
من هنا فقد أدرك بعض علماء العامة عمق انتساب هذا الأمر الى الشريعة عن طريق الأدلة الكلية المتسالمة، فعبَّر البعض عنه ب (البدعة الحسنة)، فيقول (ابن حجر) بهذا الشأن: «عمل المولد بدعة، لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنَّها مع ذلكَ قد اشتملت على محاسن وضدّها، فمن تحرّى في عملها المحاسن، وتجنَّبَ ضدها كانَ بدعةً حسنةً، والّا فلا»[٢].
ويقول الإمام (أبو شامة):
«ومن أحسن ما ابتُدع في زماننا ما يُفعل كلّ عامٍ في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه و آله و سلم، من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة، والسرور، فانَّ ذلكَ مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبته صلى الله عليه و آله و سلم، وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكر
[١] سيرتنا وسنتنا للعلامة الأميني، ص: ٤٥- ٤٦.
[٢] - جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص: ٦٢، عن رسالة المقصد المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين، ص: ١١٤.