تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٨٤ - «سميعا بصيرا»، بصيغة المبالغة
الناس، و ذلك بسبب تدني مستوى الوعي و المعرفة من جهة، و لأن كثيرا من الحقائق قد طمست، أو أثيرت حولها الشبهات من قبل الطغاة، و الظالمين، و أهل الأهواء، من جهة أخرى ..
و إذا كانت المعرفة متمازجة مع فطرة الإنسان، و متجذرة في عمق ضميره و وجدانه، و ليست مجرد معادلة عقلية، أو تصورات ذهنية، فسيكون لها التأثير العميق في كيان الإنسان، تماما كتلك المعرفة باللّه، التي تشعر بها الأم بعد استجابة دعائها بشفاء ولدها، و نجاته من موت محتم، فإن هذه المعرفة تغنيها عن كل دليل فلسفي أو غيره، بل إن الفيلسوف قد لا يشعر بعظمة اللّه مثلما تشعر بها تلك المرأة، و إنما يكون إيمان الفيلسوف مجرد استسلام للدليل القاهر لعقله، من دون أن يكون أي تفاعل مع وجدانه و فطرته.
فدليله بمثابة الآيات المعجزة التي تقهر العقل، أما انسجامه مع اللّه و فناؤه فيه، فله سبل و وسائل أخرى.
٢- لعل من أسباب اختيار صيغة المبالغة، و هي سميع و بصير أيضا، أن البصر إنما يوصل إلى الإنسان الأشكال و الألوان و الأحجام؛ و يمكّنه أيضا من إدراك جزئي لبعض المسافات .. و لكنه يحتاج لكي يكون بصيرا إلى قوة وحدّة في البصر، تمكنه من إدراك دقائق و خفايا قد يعجز عنها البصر العادي. فما يدركه من خلال حدّة البصر، هو أمور أخرى تضاف إلى ما كان قد أدركه أولا ..
أما السمع .. فإن أصل حصول السمع يحتاج إلى حاسة السمع، ثم ينعدم المسموع بمجرد حصوله .. ثم ينتقل منه إلى حصة وجودية أخرى، فيدركها السمع أيضا، ثم تتلاشى لتأتي حصة أخرى بعدها، و هكذا ..