تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٥٣ - «خلقنا»
فالخصوصية الوجودية ملحوظة في الخلق.
و قد يستعمل الخلق و يراد به التصوير، و إعطاء الهيئات، و الأشكال.
و في هذا السياق هناك آيات كثيرة تحدثت عن مراحل الخلق التكوينية و تطوراته، و التشكلات التي مرت بذلك المخلوق ..
و هذه الآية التي هي مورد البحث، من هذا القبيل، حيث ذكرت بداية خلق الإنسان حين يكون نطفة، ثم تتلاقح مع البويضة. و قد تعدّت كلمة: «خلقنا» بواسطة كلمة: «من» التي يقال لها «من» النشوية، أي التي تشير إلى المنشأ و المبدأ فقال: مِنْ نُطْفَةٍ .. و هي من قبيل كلمة «من» في قوله تعالى عن النبي عيسى [عليه السّلام]: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ[١] و هي نفسها الواردة في قوله تعالى: مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ[٢] فالمراد: أن المبدأ و المنشأ، هو السلالة، و النطفة، و الطين ..
ففي الآية المباركة التي تحدثت عن خلق الطير، يقول النبي عيسى [عليه السّلام]: إنه يجعل و يخلق لهذا الطين الذي هو موجود، صورة تشبه الطير، ثم ينفخ في هذا المجعول فيصير طيرا ..
فالنبي عيسى [عليه السّلام] لم يقل: أجعل لكم من الطين مثل الطير، لأن جعل الهيئة للطير لا تعني وجود الطير نفسه، ليصح أن يقال:
إن هذا الذي عملته هو مثل الطير ..
كما أنه [عليه السّلام] لم يقل: أنا أنفخ الطيرية و أوجدها في تلك
[١] سورة آل عمران الآية ٤٩.
[٢] سورة المؤمنون الآية ١٢.