تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٣٧ - «حين من الدهر»
و يمكن أن يجاب: بأن الحين هو الآن و الجزء الزمني الصغير، و الدهر هو مجموع تلك الأجزاء و اللحظات الزمنية الممتدة و المستمرة في التعاقب و التكثّر و الامتداد. فكلمة الدهر تشمل أجزاء و آنات الزمان السابق و الحاضر، و اللاحق. و قد أريد في الآية الاستفهام عن كل الآنات التي كان للإنسان- بما هو إنسان- حضور فيها، و يلاحظها المجيب في إجابته جزءا بعد جزء، و آنا بعد آن.
و ما ذلك إلا لأن الإنسان إنما يبدأ بالشعور و الإدراك الفعلي منذ ولادته، و ربما قبل ذلك، حيث يطوي مراحل استعداده لهذه الولادة و يستمر هذا الشعور إلى حين موته .. حيث تبدأ حياته البرزخية .. غاية الأمر: أن شعوره- بعد اكتمال و تبلور خصائصه- بما هو خارج دائرة ما بين الولادة و الوفاة يبقى غير واضح المعالم له، بل هو أقرب إلى التخيل و الافتراض منه إلى الإحساس الحقيقي، و الرؤية الواضحة .. مع أن مراتب وجوده و مراحله قد تكون أبعد من ذلك بكثير ..
مع استثناء أولئك الصفوة الذين كان ابتداء خلق أرواحهم و حلولها في الأشباح قبل خلق الخلق، بدهور، و هم أهل البيت [عليهم السّلام] ..
و قد كانوا مورد العناية الإلهية في كل تلك الدهور.
فالتصريح في الآية المباركة بكلمة مِنَ الدَّهْرِ يراد به التأكيد على رؤية حركة الإنسان في عامود الزمان المستمر في الامتداد و الجريان، لاستغراق آناته كلها .. لكي لا يخيل للإنسان: اقتصار الرعاية الإلهية على فترة نشأته المادية الفعلية، بل هي رعاية شاملة لكل عوالمه التي مرّ فيها، و لجميع منازله، و مراتبه الوجودية، حتى حينما كان لا يزال في علم اللّه، ثم ما تلى ذلك من انتقاله من عالم إلى عالم، و من منزلة إلى أخرى، و سيستمر ذلك إلى أن يستقر في الدار الآخرة ..