تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٦٨ - «الابتلاء»
و يفترض فيه أن يتعامل مع الأمور من موقع المتطلب لما هو أصوب، و الساعي لما هو أزكى و أطيب، و لما هو أتم و أكمل في الإنسانية، ملبيا لنداء عقله و فطرته، قبل أن يلبي أية دعوة أخرى، غرائزية كانت أو غيرها ..
و هذا معناه: أن عليه أن يدرك مزايا الأشياء، و يعرف مدى ما تسهم به في معالجة مواضع النقص، و العجز، و الخلل، التي يواجهها.
و لكنه قد يشذ عن الطريق، و يتخذ سبيل الاستجابة لأهوائه و غرائزه، زاعما أن ما تدعوه إليه هو ما يحقق الكمال له، مستخدما في ذلك يده، و رجله، و عينيه، و سائر ما أعطاه اللّه إياه من قوى ظاهرية و باطنية، ليستخدمه في الوصول إلى الخير و الصلاح و الهدى، فيتوصل به إلى الشرور و الآثام، و يقهرها على الاستجابة له، فتطيعه رغما عنها، و تقوم بما تقوم به، و هي تسبح اللّه و تلعن من قهرها، و تسجل ذلك عليه، لتشهد به في يوم القيامة، فينتهي به الأمر، بسبب الكفر و الطغيان، إلى فقدانه لمزاياه الإنسانية، حتى يصير كالأنعام، بل أضل سبيلا.
فظهر: أن السميعية و البصيرية قد جاءت على شكل نتيجة طبيعية لذلك الابتلاء، فقال تعالى: فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ...
و ظهر أيضا: أن الابتلاء ليس بمعنى الابتلاء بالمصائب و الرزايا في دائرة الجسد، بل هو ابتلاء في دائرة المسؤولية، ينتج عنه كمال، و وعي، و رهافة إحساس، و سميعية، و بصيرية، و بلورة مزايا، و نشوء خصائص عن هذا السبيل.
فاذا كلفك بالصدق مثلا، فإنه يشير بذلك إلى نقاط الضعف التي لو أثيرت، فإنها ستذهب ببعض سعادتك، و تصدك بعض الصدود عن