تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٦٥ - الإيمان بالغيب
و المبهم، و الغائم، شيء آخر ..
فإن الغيب واقع يقيني، يفرض نفسه على الواقع الحياتي .. و الإيمان بالحقائق الغيبية واجب و مطلوب في الإسلام. قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ[١].
فنلاحظ: أن ثمة ارتكازا في البيان القرآني إلى الغيب لينطلق منه إلى الواقع الحياتي، مبتدأ من ممارسة الإنسان للعبادة الصلاتية التي تصل العبد باللّه، و بصفاته، و علمه، و حكمته، و تدبيره، و بملائكته و رسله من جهة، ثم بالآخرة و بكل تداعياتها، و كل ما يرتبط بها من جهة أخرى ..
ثم انطلق ليبني الحياة في علاقاتها، و في مرافقها و حاجاتها، على أساس الاستفادة الصحيحة مما مكنه اللّه منه، و هيأه له .. حين قال: وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
فليس الغيب مجرد حالة خوف من مجهول مبهم، و غامض، و مخيف .. بل هو غيب ظاهر و مكشوف لنا إلى حد أن الإمام عليا [عليه السّلام] يقول: «لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا».
و عن أولياء اللّه المتقين يقول الإمام علي [عليه السّلام]: «و هم و النار كمن قد رآها، فهم فيها معذبون ..»[٢].
إنه غيب لا خوف معه، بل يشعر الإنسان معه بالأمن و السّلام، و السكينة، و الراحة، و السعادة ..
غيب ليس فيه قهر و خضوع عشوائي ظالم، بل هو استسلام على
[١] سورة البقرة الآية ٣.
[٢] نهج البلاغة ج ٢ ص ١٦١ خطبة رقم ١٩٣ ط دار المعرفة، و البحار ج ٦٤ ص ٣١٥.