تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٧٩ - و لتوضيح ذلك نقول
و إذا نظرت إلى حيوانات البحر، كالسمك مثلا، فإنك ترى السمكة في مكان، مع أنها في واقع الأمر ليست فيه .. فهي تبدو قريبة إلى سطح الماء مع أنها بعيدة عنه ..
و في حر الشمس ترى السراب الذي يبدو لك، و كأنه مستنقع ماء، حتى إنك لترى ظلال الأشجار و غيرها من الأجسام في ذلك السراب ..
و أما فيما يرتبط باختلاف درجات الإحساس من شخص لآخر ..
فنوضحه بالمثالين التاليين:
الأول: لو دخل رجلان، أحدهما مرهف الحسّ، يرسم بريشته أبدع الصور و أجملها، و الآخر إنسان عادي، إلى حديقة غناء، من أجمل ما خلق اللّه .. فستجد اختلافا كبيرا في تلذذهما بتلك الحديقة، تبعا لما يدركانه من جمالياتها، فإن الفنان سيكون أعرف بجمالياتها، و أشد ابتهاجا بها، لأنه يدرك بصورة أعمق حالات التناسق، و دقائق الصنع، و بدائع التراكيب ذات الإيحاء التي تلامس شغاف القلب، و تغمر النفس و الروح بالرضى و البهجة، و سيدرك الكثير من ميزات تلك الصورة العامة التي تتماوج جمالا بارعا، و أخّاذا، و رائعا ..
و لنفترض: أن طفلا تردى من شاهق أمام عيني أمه، و عمه، و رجل غريب، و رجل جلاد يتولى تعذيب الأبرياء من السجناء في حكومة أهل الطغيان ..
فإن الصورة الذهنية لما يعانيه هذا الطفل واحدة عند كل هؤلاء.
و لكن مما لا ريب فيه: أن انفعالهم، و تحسسهم لما يعانيه ذلك الطفل من آلام، لن يكون في مستوى واحد .. بل سيكون إحساس الأم بالألم أعظم من إحساس العم، و إحساس العم به سيكون أشد من إحساس الرجل