تحولات المكان الحسيني في الشعر العراقي - الحلي، شذي عبد الكاظم - الصفحة ١٧ - مفهوم المكان
أحدهما: التطور التاريخي والتبدل الحضاري الذي يترتب عليه تبدل أذواق الناس وتصوراتهم. فلا يمكن لنا أن نوظف المكان الذي كان يوظفه أسلافنا في عصور غير عصرنا، وإن لم يكن هذا الأمر قاطعاً، ولا عجب أن نرى ذكراً للصحراء، أو الأطلال في شعرنا الحديث، ولكن لغاية تختلف عن غاية من سلفنا، وشكل يختلف عن شكل المكان الذي وظفه أسلافنا في زمان غير زماننا، وقيم تختلف عن قيمنا، وإدراك يختلف عن إدراكاتنا، والأمر الآخر: ثقافة الشاعر، وقدرته على توظيف المكان في النص الأدبي، فكلما كان الشاعر أكثر قدرة على تسخير المكان لخدمة فكرته كان أكثر نجاحاً في توظيفه([٧]).
وإذا كان الإنسان بشكل عام في ارتباط عميق مع المكان، فلا شك في أن الشاعر في ارتباطه بالمكان سيكون أكثر عمقاً وإدراكاً لمعطياته، التي يمنحها ديناميكية التفاعل، ويضفي عليها صوراً جمالية.
وهذا ما هو عليه الشاعر منذ عهود بعيدة إذ لا يستطيع أن يبرح المكان، والمكان يحتويه في حياته ومماته، فهو جزء منه لا يختلف عنه في شيء، بل يحمل من سابقيه الذين رحلوا بقية يقف عليها في كل طلل يخاطبها وتخاطبه"([٨]).
أما في نطاق الإبداع المعاصر، فإنّ الأمر يبدو أكثر تناغماً وفاعلية، إذ أصبح "المكان هو الفضاء الأمثل الذي تنهل منه عملية الإبداع لدى الشاعر تصوراتها وشعورها، وذلك عبر عملية التجادل بينه وبين الذات"([٩]). كما أن الانجذاب إلى المكان واستنطاق دلالاته التاريخية والحضارية يعمق رؤية الشاعر، وينافح عن
[٧] ينظر: فلسفة المكان في الشعر العربي المعاصر, د.حبيب مونسي/٢٦.
[٨] ينظر:المكان في الشعر الاموي، جميل بدوي حمد الزهيري، اطروحة/ ١٣.
[٩] المكان في الشعر المهجري، حكيم صبري عبدالله /١٧.