تحولات المكان الحسيني في الشعر العراقي - الحلي، شذي عبد الكاظم - الصفحة ٢٢ - المكان عند الشعراء العرب
المكان عند الشعراء العرب
إذا كان الإنسان بشكل عام في رباط عميق مع المكان، فلا شك في أن الشاعر في ارتباطه بالمكان سيكون أكثر عمقاً وإدراكاً لمعطياته، التي يمنحها ديناميكية التفاعل، ويضفي عليها صوراً جمالية. لأنها موغلة، ومتجذرة وعميقة، فضلاً عن اختلاف درجة إحساسهما بالأشياء. وهذا ما هو عليه الشاعر منذ عهود بعيدة إذ" لا يستطيع أن يبرح المكان، والمكان يحتويه في حياته ومماته، فهو جزء منه لا يختلف عنه في شيء، بل يحمل من سابقيه الذين رحلوا بقية يقف عليها في كل طلل يخاطبها وتخاطبه" ([٣٢]).
إنّ الشعراء لم يقصروا تجربتهم على التجربة الذاتية والفنية فحسب، بل تحولت إلى تجربة قائمة على الشعور والفكر. فقد مزجوا بين التراث وثقافة العصر، التي أسهمت في رسم صورة فكرية جديدة للشاعر. لذا "فإنّ تطور الحياة الاجتماعية ألقى بظلاله على الأدب ومنه الشعر، فأخذ الشعراء يخوضون في شتى جوانب الحياة الفلسفية والدينية والسياسية والاجتماعية والأسطورية، لذلك كان طبيعياً أن تترك آثارهم على البناء الفكري للشعر كونه بناءً علائقياً يقوم على العلاقات بين العناصر كل منها حاكم للآخر ومحكوم به"([٣٣]).
ففاعلية المكان في الشعر في مختلف أغراضه تشكل عنصراً أساساً من عناصر إيضاح أفكار الشعراء، ومعانيهم في مختلف شؤون الحياة، كذلك يكون المكان أداة من أدوات الشاعر، ووسيلة من وسائله في تأدية المعاني المختلفة بسبب مقدرة
[٣٢] المدينة في الشعر العربي" الجزائر أنموذجا (١٩٢٥-١٩٦٢)، إبراهيم روماني/٢٠٥.
[٣٣] الصورة والبناء الشعري: محمد حسين عبد الله، مكتبة الدراسات الأدبية (٨٣) دار المعارف، مصر ١٩٨١م/ ١٧٩.