عبادة الله و عبادة الطاغوت في القرآن الكريم - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٣ - ٢- تقديم رؤية واقعية للدُنيا
وقد ينظر إلى الدنيا بما هي مأكل ومشرب وملبس، معه مسكن ومركب ومنكح؛ من حيث أنها أشياء فيها نفع البدن ولذّته، من دون مقايسة لها بالآخرة، والحكم لهذه أو تلك بالتقديم أو التأخير. وهي كذلك داخلة في مثل قوله عزّ من قائل: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ...)، وقوله سبحانه: (كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ...) وهذه الآية الأخيرة في تتمّتها: (وَ لا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى) تحذّر من فصل هذه النعم عن دورها، واسقاط وظيفتها في إعمار الأفئدة والأرواح، وعن الانحراف بالدنيا بالجمع لها، وأن ينسى شكر الربّ بما آتى العبد منها، وأن يستعمل استعلاء، ويوظّف للاستكبار، وأن يكون للمعصية ومواجهة المنعم سبحانه.
والنظر الثالث للدنيا يأخذها وصلة للآخرة، وعوناً عليها، يبني بها العبد نفسه، ويسخّرها لكماله؛ بأن يعبد بها ربّه، ويطلب قربه. يتوفّر على ما يتوفّر منها دفعاً لضروراته وسدّاً لحاجاته، حتى لا تشلّه هذه الحاجات عن الحركة، ولا تقعد به عن الغاية، ويطلب من قدراتها ما يشدّ به أزرَ إخوانه، ومن يعنيه أمره، ويخفّف به من معاناة المجتمع المؤمن، ويكشف كروبه. إنّه يطلب الدنيا، يبني