عبادة الله و عبادة الطاغوت في القرآن الكريم - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢ - ٢- تقديم رؤية واقعية للدُنيا
وكلّما كبرت الدنيا وصغرت الآخرة عند الناس، كلّما سهل على الطاغية أن يملك القلوب، ويستولي على النفوس، لذلك لا يزال يريهم الدنيا كل شيء، وأنها لا تنال إلّا عن طريقه، فإذا ظهرت الدنيا على حقيقتها، والطاغوت بواقعه؛ ذهب سحره، وسقط ما في يده.
والآيات الكريمة تقدّم رؤية متكاملة عن الدنيا، لها وجوه أتى تعدّدها من تعدّد الحيثية في النظر.
فقد ينظر إلى الدنيا في مقابل الآخرة، وحيث تقدم عليها، وتتّخذ هدفاً من دونها، فهي على هذا خيال عابر، وسراب خادع، الدنيا إذا قيست بالآخرة وزناً وجدتها شيئاً تافهاً محترقاً، والانكباب عليها مستعقب سوءً، ومستتبع خسارة. إنها كذلك آئلة بأهلها إلى شقاء مقيم، وعذاب أليم، وندامة لازمة. وهي التي قال الحديث عنها مجاراة للآية الثانية: «إنّها تغرّ وتعرُّ وتضرّ». نعم حين تؤخذ بما هي في نفسها، وتكون مطلوبة لذاتها لا يبقى لها مضمون كبير، ولا معنى جاد فيما تعامل معها أهلها به. فلا تكون كذلك إلا لهواً ولعباً، ولا تستتبع إلا خسراناً وحسرة، وتفويتاً للآخرة بما هي الحياة الغزيرة المركّزة الدفّاقة الراقية الكريمة، وهذا النظر هو ما يظهر الالتفات إليه من الآيتين الأوليين.