عبادة الله و عبادة الطاغوت في القرآن الكريم - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣ - ثانيا من أين تبدأ العبادة بصورة عامة؟
ذلك إلا بموافقتها لإرادته، والدخول في طاعته لم تمتنع من ذلك، ولم تتريث في قبوله. ومن أين لها أن تتمنع أو تتريث والسبب في داخلها من حب الكمال والخير لذاتها قاض بأن تندفع في هذا الطريق؟!
نعم قد تنفصل في شعورها المصلحة عن الكمال، والخير عن السمو فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، وتتسقط مواطن الشهوات متحدرة عن مراتب الكمال، ولكنها وهي تذل للهدف الكبير، أو الغرض الصغير إنما تذل من شعور بحاجتها وشعور بغنى غيرها.
إذا كانت عبادة فلا يفرّق في سرّها ومنطلقها بين نفس واقعت الحقيقة، ورأت بصيرة أن منتهى كل خير، وكل قوة وكمال لله، فلم تعبد غيره ولم تتعلق بسواه، وبين نفس قصر من وراء شعورها النظر وقفت رؤيت صاحبها عند الأسباب القريبة فتشبثت بها على أنها مصدر العطاء والمنع، فكان ولاؤه لها، وتذلّله بين بيديها. الشعور المحرك هناك محرك هنا، والدافع الفطري العريض للعبادة مشترك في الحالتين. الكل شاعر بفقر، والكل طالب غنى والكل يرى في معبوده الغنى الذي يفقده، وقضاء الحاجة التي يطلبها. والتفاوت أن الرؤية انطلقت من عقل أو وهم، وصارت إلى حقيقة أو خيال.