تنقيح المقال في علم الرجال - المامقاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ١١٠ - الترجمة
و لا يخفى عليك أنّ عدّ مثل ابن شاذان الثقة الجليل إيّاه من أصحاب علي عليه السلام كاف في إثبات كونه إماميّا،و قوله في حقّه:إنّه كان زاهدا تقيّا، و إقرانه باويس القرني،بل تقديمه في الذكر عليه،المؤيّد بعدّ العلاّمة رحمه اللّه
[٨] عقائدهم و جلب أنظارهم إلى غاياتهم..كثيرة،و هي تختلف في عصر كلّ من وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى عصر الإمام العسكري عليه السلام،بشكل يناسب الوضع السياسي،و من جملة تلك العناوين التي اخترعوها التصوّف،و الزهد،و ذلك أنّ أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كانوا في قمّة الفضائل و الأوصاف الحميدة،و في غاية الطهارة من الصفات الرذيلة،و كان إحدى تلك الصفات دأبهم في العبادة،و زهدهم عن الدنيا و زخرفها،و الإعراض عنها..و الطغاة الحاكمون فحصوا عن رجال لهم استعداد التظاهر بصفة الزهد الذي اخترعوه،من عدم أكل الطيب،و لبس الجيد..و غير ذلك ثم نوّهوا باسمهم و رفعوا شأنهم بين الناس،و بذلوا بواسطة أياديهم الأثيمة كل ما في وسعهم لترويج أولئك،كل ذلك ليكونوا أفراد مشهورين بالزهد،في قبال زهد الأئمة الطاهرين،و بعد مرور زمن غير قليل صار الزهد و صفا مميّزا في المجتمع،و كان زهد هؤلاء في المأكل و المشرب و بعض مظاهر الحياة الظاهرية، من عدم الأكل،و عدم الاستمتاع بملاذ الحياة المحلّلة،مع أنّ التشريع الإسلامي و السيرة الشريعة النبوية صريحة في أنّ الزهد هو ما في الآية الشريفة: لِكَيْلاٰ تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لاٰ تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ ،[سورة الحديد(٥٧):٢٣]،و قول أمير المؤمنين عليه السلام:«ليس الزهد أن لا تملك شيئا،بل الزهد أن لا يملكك شيء»،فقلبوا هذا المفهوم الرفيع إلى ترك أكل الطيب،و لبس الجيّد،و الصمت عن الكلام،و نحن نعتقد بأنّ كل ما كان عن تعليم اللّه،و على سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمّة الهداة عليهم السلام فهو الرشاد،و ما كان خلافه فهو الضلال،و عليه فإنّ صمت الربيع عشر سنين أو عشرين سنة عن الكلام،لم نجد له في الكتاب العزيز، و لا في سيرة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و من بعده من أئمة المسلمين أثرا،بل بالعكس،كانوا صلوات اللّه عليهم يتكلّمون بكلّ ما ينبغي،إلاّ أنّهم يمتنعون عن اللغو، و عمّا لا يرضي اللّه،و كانوا يتحادثون مع الناس،و يتّضح ممّا ذكرناه أن صمت المترجم إن لم تكن منقصة له لا يمكن عدّها فضيلة،و كذلك فعلوا الطغاة في قلب المفاهيم العالية الرفيعة إلى مظاهر خسيسة،و ما ذكرته تجده متجليّا في حياة الفريقين على مرّ الزمن.