تاريخ اليعقوبي - احمد بن ابی یعقوب - الصفحة ٢١٣ - ملوك الحيرة من اليمن
كانوا أشرافا، و كان منهم رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا، كان ماردا شاعرا، و كان يقول للأسود بن المنذر: أخي النعمان، إنك قد عرفت أني لك راج، و أن طلبتي إليك و رغبتي أن تخالف عدي بن زيد، فإنه و الله ما ينصحك أبدا! فلم يلتفت إلى قوله، فلما أمر كسرى عدي بن زيد أن يدخلهم عليه، جعل يدخلهم رجلا رجلا، فكان يرى رجالا ما رأى مثلهم، فإذا سألهم: هل تكفوني ما كنتم تكفون؟ قالوا: لن نكفيك العرب، إلا النعمان. فلما دخل عليه النعمان رأى رجلا وسيما، فكلمه فقال: هل تستطيع أن تكفيني العرب؟ قال: نعم! قال: فكيف تصنع بإخوتك؟ قال: إن عجزت عنهم، فأنا عن غيرهم أعجز ٢٦٢! فملكه، و كساه و ألبسه اللؤلؤ، فلما خرج و قد ملك قال عدي بن أوس بن مرينا للأسود: دونك قد خالفت الرأي. و مضى النعمان مملكا على عدي بن مرينا، فأمر قوما من خاصة النعمان و أصحابه أن يذكروا عدي بن زيد عنده، و يقولوا: إنه يزعم أن الملك عامله، و أنه هو ولاه، و لولاه ما ولي، و كلاما نحو هذا، فلم يزالوا يتكلمون بحضرة النعمان، حتى احفظوه و أغضبوه على عدي بن زيد، فكتب النعمان إلى عدي: عزمت عليك إلا زرتني! فاستأذن كسرى، و قدم عليه فلما صار إلى النعمان أمر بحبسه في حبس لا يصل إليه فيه أحد. و كان له مع كسرى أخوان يقال لأحدهما أبي و الآخر سمي، و كانا عند كسرى، و كان أحدهما يسره هلاكه، و الآخر يحب صلاحه، فجعل عدي يقول الشعر في محبسه، و يستعطف النعمان، و يذكر له حرمته، و يعظه بذكر الملوك المتقدمين، فلم ينفعه ذلك، و جعل أعداؤه من آل مرينا يحملون عليه النعمان، و يقولون له: إن أفلت قتلك، و كان سبب هلاكك، فلما يئس عدي أن يجد عند النعمان خيرا كتب إلى أخيه: أبلغ أبيا على نأيه و هل ينفع المرء ما قد علم